ابو القاسم عبد الكريم القشيري
96
لطائف الإشارات
وهكذا صفة أرباب التفرقة . والصبر مع الواحد شديد ، قال تعالى : « وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا » . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول ، فمن صدّق الحق سبحانه في آياته ، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته ، فتباين الشرع واختلاف وقوع الاسم غير قادح في استحقاق الرضوان ، لذلك « 1 » قال : « إن الذين آمنوا والذين هادوا » ثم قال : « من آمن منهم ، أي إذا اتفقوا في المعارف فالكلّ لهم حسن المآب ، وجزيل الثواب . والمؤمن من كان في أمان الحق سبحانه ، ومن كان في أمانه - سبحانه وتعالى - فبالحرىّ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 63 إلى 64 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) أخذ سبحانه ميثاق جميع المكلّفين ، ولكنّ قوما أجابوا طوعا لأنه تعرّف إليهم فوحّدوه وقوما أجابوه كرها لأنه ستر عليهم فجحدوه ، ولا حجّة أقوى من عيان ما رفع فوقهم من الطور - وهو الجبل - ولكن عدموا نور البصيرة ، فلا ينفعهم عيان البصر . قال اللّه تعالى « ثم توليتم من بعد ذلك » ، أي رجعتم إلى العصيان بعد ما شاهدتم تلك الآيات بالعيان ، ولولا حكمه بإمهاله ، وحلمه بأفضاله لعاجلكم بالعقوبة ، وأحلّ عليكم عظيم المصيبة ولخسرت صفقتكم بالكلّية . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 65 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) .
--> ( 1 ) وردت ( كذلك ) .