ابو القاسم عبد الكريم القشيري
83
لطائف الإشارات
ذلك يحتمل في حال الأحباب عند المفارقة ، وأوقات الوداع أن بقال إذا خرجت من عندي فلا تنس عهدي ، وإن تقاصر عنك يوما خبري فإياك أن تؤثر علىّ غيرى ، ومن المحتمل أيضا أن يقال إن فاتنى وصولك فلا يتأخّرنّ عنى رسولك . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 38 ] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) سوء الأدب على البساط يوجب الرد إلى الباب ، فلما أساء آدم عليه السّلام الأدب في عين القربة قال اللّه تعالى : « اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ، بعد أن كان لكم في محل القربة قرار وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ، يستمتعون يسيرا ولكن ( في ) آخرهم يعودون إلى الفقر ، وأنشدوا : إذا افتقروا عادوا إلى الفقر حسبة « 1 » * وإن أيسروا عادوا سراعا إلى الفقر وحين أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض بشّره بأنه يردّه إلى حاله لو جنح بقلبه إلى الرجوع فقال : « فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) والذين قابلوا النعمة بغير الشكر ، وغفلوا عن التصديق والتحقيق فلهم عذاب أليم مؤجلّ ، وفراق معجّل . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 40 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) حقيقة النعمة على لسان العلماء « 2 » لذة خالصة عن الشوائب ، وما يوجب مثلها فهي أيضا عندهم نعمة ، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المنعم أو ما ذكّرك بالمنعم أو ما أوصلك إلى إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم .
--> ( 1 ) حسبة أي احتسابا - هكذا في الهامش . ( 2 ) واضح أن مقصود القشيري من ( لسان العلماء ) و ( لسان التفسير ) هو التفسير العادي ، أما ( عند أهل الحقيقة ) و ( الإشارة منه ) ونحو ذلك فهو التفسير الصوفي .