ابو القاسم عبد الكريم القشيري
52
لطائف الإشارات
المغضوب عليهم الذين صدمتهم هواجم الخذلان « 1 » ، وأدركتهم مصائب الحرمان ، وركبتهم سطوة الرد ، وغلبتهم بواده الصد والطرد . ويقال هم الذين لحقهم ذل الهوان ، وأصابهم « 2 » سوء الخسران ، فشغلوا في الحال باجتلاب الحظوظ - وهو في التحقيق ( شقاء ) ؛ إذ يحسبون أنهم على شئ ، وللحق في شقائهم سر . ويقال هم الذين أنسوا بنفحات التقريب زمانا ثم أظهر الحق سبحانه في بابهم شانا ؛ بدّلوا بالوصول بعادا ، وطمعوا في القرب فلم يجدوا مرادا ، أولئك الذين ضلّ سعيهم ، وخاب ظنهم . ويقال غير المغضوب عليهم بنسيان التوفيق ، والتعامي عن رؤية التأييد . ولا الضالين عن شهود سابق الاختيار ، وجريان التصاريف والأقدار . ويقال غير المغضوب عليهم بتضييعهم آداب الخدمة ، وتقصيرهم في أداء شروط الطاعة . ويقال غير المغضوب عليهم هم الذين تقطعوا في مفاوز الغيبة ، وتفرّقت بهم الهموم في أودية وجوه الحسبان . [ فصل ] ويقول العبد عند قراءة هذه السورة آمين ، والتأمين سنّة ، ومعناه يا رب افعل واستجب ، وكأنه يستدعى بهذه القالة التوفيق للأعمال ، والتحقيق للآمال ، وتحط رجله بساحات الافتقار ، ويناجى حضرة الكرم بلسان الابتهال ، ويتوسل ( بتبريه ) « 3 » عن الحول والطاقة والمنّة والاستطاعة إلى حضرة الجود . وإن أقوى وسيلة للفقير تعلقه بدوام الاستعانة لتحققه بصدق الاستغاثة . السورة التي تذكر فيها البقرة قوله تعالى : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الاسم مشتق من السمو والسّمة ، فسبيل من يذكر هذا الاسم أن يتسم بظاهره بأنواع المجاهدات ، ويسمو بهمته إلى محالّ المشاهدات . فمن عدم سمة المعاملات على ظاهرة ، وفقد
--> ( 1 ) يقول القشيري في الرسالة ( ومنهم من تغيرهم البواده وتصرفه الهواجم ، ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا ووقتا . . أولئك هم سادات الوقت ) ص 44 . ( 2 ) وردت ( أحبابهم ) . ( 3 ) وردت ( ببريته ) والصواب ( بتبريه ) .