ابو القاسم عبد الكريم القشيري
45
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) حقيقة الحمد الثناء على المحمود ، بذكر نعوته الجليلة وأفعاله الجميلة ، واللام هاهنا للجنس ، ومقتضاها الاستغراق ؛ فجميع المحامد للّه سبحانه إمّا وصفا وإمّا خلقا ، فله الحمد لظهور سلطانه ، وله الشكر لوفور إحسانه . والحمد للّه لاستحقاقه لجلاله وجماله ، والشكر للّه لجزيل نواله وعزيز أفضاله ، فحمده سبحانه له هو من صفات كماله وحوله ، وحمد الخلق له على إنعامه وطوله ، وجلاله وجماله استحقاقه لصفات العلو ، واستيجابه لنعوت العز والسمو ، فله الوجود ( قدرة ) « 1 » القديم ، وله الجود الكريم ، وله الثبوت الأحدى ، والكون الصمدى ، والبقاء الأزلي ، والبهاء الأبدي ، والثناء الديمومى ، وله السمع والبصر ، والقضاء والقدر ، والكلام والقول ، والعزة والطول ، والرحمة والجود ، والعين والوجه والجمال ، والقدرة والجلال ، وهو الواحد المتعال ، كبرياؤه رداؤه ، وعلاؤه سناؤه ، ومجده عزه ، وكونه ذاته ، وأزله أبده ، وقدمه سرمده ، وحقه يقينه ، وثبوته عينه ، ودوامه بقاؤه ، وقدره قضاؤه ، وجلاله جماله ، ونهيه أمره ، وغضبه رحمته ، وإرادته مشيئته ، وهو الملك بجبروته ، والأحد في ملكوته . تبارك اللّه سبحانه ! ! فسبحانه ما أعظم شأنه ! [ فصل ] علم الحق سبحانه وتعالى شدة إرادة أوليائه بحمده وثنائه ، وعجزهم عن القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه فأخبرهم أنه حمد نفسه بما افتتح به خطابه بقوله : « الحمد للّه » فانتعشوا بعد الذّلة ، وعاشوا بعد الخمود ، واستقلت أسرارهم بكمال التعزز حيث سمعوا ثناء الحق عن الحق بخطاب الحق ، فنطقوا ببيان الرمز على قضية الأشكال . وقالوا : ولوجهها من وجهها قمر * ولعينها من عينها كحل هذا خطيب الأولين والآخرين ، سيد الفصحاء ، وإمام البلغاء ، لمّا سمع حمده لنفسه ، ومدحه سبحانه لحقّه ، علم النبي أن تقاصر اللسان أليق به في هذه الحالة فقال : « لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » . داوود لو سمعت أذناه قالتها * لما ترنّم بالألحان داوود غنت سعاد بصوتها فتخاذلت * ألحان داوود من الخجل
--> ( 1 ) هذه كلمة زائدة يمكن الاستغناء عنها ، ويرجح ذلك نظم الأسلوب وسياق المعنى ، أو ربما كانت ( قدمه ) .