ابو القاسم عبد الكريم القشيري

46

لطائف الإشارات

[ فصل ] وتتفاوت طبقات الحامدين لتباينهم في أحوالهم ؛ فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه وإكرامه من نوعي صفة نفعه ودفعه ، وإزاحته وإتاحته ، وما عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره ما عرفوا من أفضاله معهم قال جل ذكره : « وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها » ، وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم من عجائب لطائفه ، وأودع سرائرهم من مكنونات بره ، وكاشف أسرارهم به من خفى غيبه ، وأفرد أرواحهم به من بواده مواجده . وقوم حمدوه عند شهود ما كاشفهم به من صفات القدم ، ولم يردوا من ملاحظة العز والكرم إلى تصفح أقسام النعم ، وتأمل خصائص القسم ، و ( فرق بين ) « 1 » من يمدحه بعز جلاله وبين من يشكره على وجود أفضاله ، كما قال قائلهم : وما الفقر عن أرض العشيرة ساقنا * ولكننا جئنا بلقياك نسعد وقوم حمدوه مستهلكين عنهم فيما استنطقوا من عبارات تحميده ، بما اصطلم أسرارهم من حقائق توحيده ، فهم به منه يعبّرون ، ومنه إليه يشيرون ، يجرى عليهم أحكام التصريف ، وظواهرهم « 2 » بنعت التفرقة مرعية ، وأسرارهم مأخوذة بحكم جمع « 3 » الجمع ، كما قالوا : بيان بيان الحق أنت بيانه * وكل معاني الغيب أنت لسانه قوله جل ذكره : رَبِّ الْعالَمِينَ الرب هو السيد ، والعالمون جميع المخلوقات ، واختصاص هذا الجمع بلفظ العالمين لاشتماله على العقلاء والجمادات فهو مالك الأعيان ومنشيها ، وموجد الرسوم والديار بما فيها . ويدل اسم الرب أيضا على تربية الخلق ، فهو مرب نفوس العابدين بالتأييد ومرب قلوب الطالبين بالتسديد ، ومرب أرواح العارفين بالتوحيد ، وهو مرب الأشباح بوجود النّعم ، ومرب الأرواح بشهود الكرم . ويدل اسم الرب أيضا على إصلاحه لأمور عباده من ربيت العديم أربه ؛ فهو مصلح أمور الزاهدين بجميل رعايته ، ومصلح أمور العابدين بحسن كفايته ، ومصلح أمور الواجدين

--> ( 1 ) وردت ( وفر . . . ) ثم بعدها بياض فأكملناها على هذا النحو ليتم المعنى . ( 2 ) وردت ( وظاهرهم ) ولكن السياق يقتضى ما أثبتناه . ( 3 ) وردت ( جميع الجمع ) ولكن الاصطلاح الصوفي هو جمع الجمع وهو درجة فوق الجمع وجمع الجمع هو الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بما سوى اللّه ( رسالة القشيري ط سنة 1959 ص 39 ) .