ابو القاسم عبد الكريم القشيري
32
لطائف الإشارات
منها ، كذلك نراه يهتم اهتماما ملحوظا بالحث على التغلغل في بواطنها ، ومعرفة جواهرها ، فهي ليست رسوما ظاهرية يؤديها البدن وحسب ولكنها ذات مقاصد بعيدة . فاستقبال القبلة عند الصلاة له عند القشيري إشارة : ( لتكن القبلة مقصود نفسك ، وسبحانه مقصود مشهود قلبك ؛ لا تعلّق قلبك بأحجار وآثار ، وأفرد قلبك لي ) وعند قوله تعالى « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ » يقول : « إتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته ، وإراقة الدماء التي تجب فيه ، وعلى لسان أهل الإشارة الحج هو القصد ، فقصد إلى بيت الحق وقصد إلى الحق ، فالأول حج العوام والثاني حج الخواص ، وكما أن الذي يحج بنفسه يحرم ويقف ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق ، فكذلك من يحج بقلبه فإحرامه بعقد صحيح على قصد صحيح ، ثم يتجرد عن لباس مخالفاته وشهواته ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره ، وإمساكه عن متابعة حظوظه من اتباع الهوى وإطلاق خواطر المنى ، وما في هذا المعنى ، ثم الحاج أشعث أغبر تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع والتلبية ، وأفضل الحج الشجّ والعجّ ؛ فالشج صب الدم والعج رفع الصوت بالتلبية فكذلك سفك دم النفس بسكاكين مخالفتها ، ورفع أصوات السر بدوام الاستغاثة وحسن الالتجاء والوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة . وموقف النفوس عرفات وموقف القلوب الأسامى والصفات ( أسماء اللّه الحسنى وصفاته ) ، وطواف القلوب حول مشاهد العز ، والسعي بالأسرار بين صفى كشف الجلال ولطف الجمال ، ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيار والمنى والمعارضات بكل وجه » . وتسمع القشيري عند : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ . . . » يقول : « الصوم على ضربين : صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية ، وصوم باطن وهو صون القلب عن الآفات ، ثم صون الروح عن المساكنات ، ثم صون السر عن الملاحظات . . . . ونهاية الصوم إذا هجم الليل ، ولكن من أمسك عن الأغيار فصومه نهايته أن يشهد الحقّ . والصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته كما يقول عليه السلام فالرؤية عائدة على الهلال ، وعند أهل التحقيق فالرؤية عائدة إلى الحق ؛ فصومهم للّه حتى شهودهم ، وفطرهم للّه ، وإقبالهم على اللّه ، والغالب عليهم اللّه » .