ابو القاسم عبد الكريم القشيري
33
لطائف الإشارات
هذا عن العبادات أما عن أسباب النزول فينظر إليها القشيري كما ينظر إلى مورد المثل ومضربه ، فالآية « ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ » يقول عندها القشيري : « نزلت حين أمر اللّه رسوله بقطع بعضها فقالت اليهود : أي فائدة في هذا ؟ أمن الصلاح قطع النخل وعقر الشجر ؟ فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم ، فأنزل اللّه تعالى الآية ، وأن ذلك بإذن اللّه ، وانقطع الكلام ؛ وفي هذا دليل على أنّ الشريعة غير معلّلة ، وأنه إذا جاء الأمر الشرعىّ بطل طلب التعليل ، وسكتت الألسنة عن المطالبة : بلم ؟ وهكذا من قال لأستاذه وشيخه : لم ؟ لم يفلح ، وكلّ مريد يكون لأمثال هذه الخواطر في قلبه جولان لا يجئ منه شئ ، ومن لم يتجرد قلبه عن طلب الاعلال ولم يباشر حسن الرضا لكل ما يجرى ، واستحسان ما يبدو من الغيب من اللّه - بسرّه وقلبه - فليس من اللّه في شئ » . وفي قوله تعالى : « إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ » يقول : « نزلت هذه الآية في أهل رجل من اليمن ترك لهم جنة متمرة ، وكان يتصدّق منها للمساكين ، فلما ورثه أهله قالوا : لن نفعل فعله ، وأقسموا ألا يعطوا شيئا ، فأهلك اللّه جنتهم . وندموا وتابوا » وهذه حال من له بداية حسنة ، ويجد التوفيق على التوالي ، ويجتنب المعاصي ، فيعوضه اللّه في الوقت نشاطا ، وتلوح في باطنه أحوال فإذا بدر منه سوء دعوى ، وترك أدبا من آداب الخدمة تنسدّ عليه تلك الأحوال ، ويقع في فترة ، فإذا حصل منه بالعبادات والفرائض إخلال انقلب حاله ، وردّ عن الوصال إلى البعاد ، ومن الاقتراب إلى الاغتراب عن الباب ، وصارت صفوته قسوة ، فإن كان له بعد ذلك توبة على ما سلف ، وندامة على ما فات من أمره ، فقلّما يصل إلى حاله ، ولكن لا يبعد أن ينظر إليه الحق بأفضاله ، فيقبله بعد ذلك ، رعاية لما سلف منه في البداية من أحواله ، فإن اللّه تعالى رؤوف بعباده » . ومن مظاهر القدرة الإلهية في الكون والحياة والإنسان لا يغيب عن القشيري أن يستمد إشارات مناسبة يوجهها نحو الموضوعات الصوفية فيقول مثلا عند « أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ » : « مهين أي حقير ذكّرهم أصل خلقتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم ، فإنه لا جنس من المخلوقات والمخلوقين أشد دعوى من بني آدم ، ومن الواجب أن يتفكر الإنسان في أصله ،