ابو القاسم عبد الكريم القشيري

31

لطائف الإشارات

الأصغر غنيمة عند الظفر كذلك للجهاد الأكبر غنيمة وهو أن يملك نفسه التي كانت في يد عدوّيه : الهوى والشيطان ، وبعد أن كانت ظواهره مقرا للأعمال الذميمة وباطنه مستقرّا للأحوال الدنيئة يصير محلّ الهوى مسكن الرضا ، ومقرّ الشهوات والمنى محلّا لما يرد عليه من مطالبات المولى ، وتصير النّفس مستلبة من إصرار الشهوات ، والقلب مختطفا من وصف الغفلات ، والروح منزوعة من أيدي العلاقات ، والسرّ مصونا من الملاحظات . وكما أنّ من جملة الغنيمة سهما للّه وللرسول وهو الخمس فما هو غنيمة - على لسان الإشارة - سهم خالص للّه وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب لا من كرائم العقبى ولا من ثمرات التقريب ولا من خصائص الإقبال ، فيكون العبد عند ذلك محررا عن رقّ كل نصيب ، خالصا للّه باللّه ، يمحو ما سوى اللّه » . ونلفت نظر القارئ إلى ما ورد في هذا النص من ترتيب الملكات الباطنة للإنسان من أسفل إلى أعلى ، وهي : النفس ثم القلب ثم الروح ثم السر ، ولكل منها وظيفة ولكل وظيفة غاية ، كما أن لكلّ منها آفات ولكن لكل علاج . . . والكلام في ذلك كله موزع في الكتاب حسب السياق الذي توحى به آيات الكتاب الكريم . والقشيري مشكور أعظم الشكر حين التزم بهذا الترتيب ، ولم يتخلّ عنه لا في اللطائف وحده بل في كل ما بين أيدينا من مصنفاته ، حتى صار له مذهب واضح السمات بارز القسمات في المعراج الروحي ، وتفصيل ذلك موضح في كتابنا عن « مذهبه في التصوف » الذي هو القسم الأول من بحثنا للدكتوراه . ويطابق القشيري بين ما يحدث من نسخ لبعض الأحكام وبين ما يحدث من نسخ في السلوك الصوفي حيث يقول عند قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ . . . » « حكم هذه الآية كان ثابتا في الشرع ، ولكنه نسخ بعده . والنسخ هو الإزالة ، ومعنى النسخ في سلوك المريدين أنهم في الابتداء فرضهم القيام بالظاهر من حيث المجاهدات ، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شئ آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر » . أما فيما يختص بالعبادات فإننا نلحظ أن القشيري يغتنم كل فرصة كي يوضح ضرورة التزام العبد بأدائها مهما أوغل في الفناء عن نفسه ، فليس ثمة عذر لسقوطها عنه أو إعفائه