ابو القاسم عبد الكريم القشيري
137
لطائف الإشارات
إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول ، فكان في سابق علمه - سبحانه - أن قلوب أوليائه متعطشة إلى لقائه . ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل ؛ فأقوام ألزمهم - بإرسال الرسل إليهم الكلف ، وآخرون أكرمهم - بإرسال الرسل إليهم - بفنون القرب والزّلف ، وشتّان بين قوم وقوم ! قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 152 ] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور ، ثم استهلاكه في وجود المذكور ، حتى لا يبقى منك أثر يذكر ، فيقال قد كان مرة فلان . « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » أي كونوا مستهلكين في وجودنا ، نذكركم بعد فنائكم عنكم ، قال اللّه تعالى : « إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ » كانوا وقتا ولكنهم بانوا دائما « 1 » : أناس حديث حسن * فكن حديثا حسنا لمن وعنى « 2 » وطريقة أهل العبارة « 3 » ( فَاذْكُرُونِي ) بالموافقات ( أَذْكُرْكُمْ ) بالكرامات ، وطريقة أهل الإشارة ( فَاذْكُرُونِي ) بترك كل حظ ( أَذْكُرْكُمْ ) بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم . ( فَاذْكُرُونِي ) مكتفين بي « 4 » عن عطائي وأفضالى ( أَذْكُرْكُمْ ) راضيا بكم دون أفعالكم . ( فَاذْكُرُونِي ) بذكرى لكم ما تذكرون ، ولولا سابق ذكرى لما كان لاحق ذكركم . ( فَاذْكُرُونِي ) بقطع العلائق ( أَذْكُرْكُمْ ) بنعوت الحقائق . ويقال اذكرني لكل من لقيته أذكرك لمن خاطبته ، فمن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم .
--> ( 1 ) يقول يحيى بن معاذ : العارف كائن بائن . ومرة قال : المعارف كان فبان ( الرسالة ص 157 ) . ( 2 ) البيت منقول كما جاء في ص ، لم نحاول أن نبدل في كتابته وهو مضطرب وزنا ومعنى . ( 3 ) وردت ( العبادة ) والأصوب أن يكون احتمال ورودها في الأصل ( العبارة ) لتعبّر عن درجة أدنى من درجة أهل ( الإشارة ) . ( 4 ) وردت ( مكتفيا لي ) والأقرب إلى المعنى أن تجعلها في صورة الجمع وأن يكون حرف الباء أولى من اللام حيث يقال اكتفيت باللّه عن عطاء اللّه .