ابو القاسم عبد الكريم القشيري
138
لطائف الإشارات
ويقال ( وَاشْكُرُوا لِي ) على عظيم المنّة عليكم بأن قلت : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) . ويقال الشكر من قبيل الذكر ، وقوله ( وَلا تَكْفُرُونِ ) النهى عن الكفران أمر بالشكر ، الشكر ذكر ، فكرر عليك الأمر بالذكر ، والثلاث أول حدّ الكثرة ، والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنّ في الخبر : « من أحب شيئا أكثر ذكره » فهذا - في الحقيقة - أمر بالمحبة أي أحببني أحبك ؛ « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » أي أحبوني أحببكم . ويقال : ( فَاذْكُرُونِي ) بالتذلل ( أَذْكُرْكُمْ ) بالتفضّل . ( فَاذْكُرُونِي ) بالانكسار ( أَذْكُرْكُمْ ) بالمبار . ( فَاذْكُرُونِي ) باللسان ( أَذْكُرْكُمْ ) بالجنان . ( فَاذْكُرُونِي ) بقلوبكم ( أَذْكُرْكُمْ ) بتحقيق مطلوبكم . ( فَاذْكُرُونِي ) على الباب من حيث الخدمة ( أَذْكُرْكُمْ ) بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة . ( فَاذْكُرُونِي ) بتصفية السّر ( أَذْكُرْكُمْ ) بتوفية البرّ . ( فَاذْكُرُونِي ) بالجهد والعناء ( أَذْكُرْكُمْ ) بالجود والعطاء . ( فَاذْكُرُونِي ) بوصف السلامة ( أَذْكُرْكُمْ ) يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة . ( فَاذْكُرُونِي ) بالرهبة ( أَذْكُرْكُمْ ) بتحقيق الرغبة . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 153 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) استعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم - عند جريان أحكام الحق عليكم - استحقاقكم صلاة ربكم عليكم ، ولذا فإنه تعالى بعد « وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » يقول : « أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ » . ويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر ، وعلو القدر حيث نالوا معيّة اللّه قال تعالى : « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ » .