أبي هلال العسكري
480
تصحيح الوجوه والنظائر
النظر « 1 » أصله في العربية المقابلة ، يقال : داري ينظر إلى دارك ، أي : يقابلها ، والدار أن يتناظران أي : يتقابلان ، والنظر بالعين الإقبال بها حيال المرئي ، ونظر القلب الإقبال إلى أحوال ما تطلب معرفته . وقال علي بن عيسى : النظر طلب ظهور الشيء ، والناظر الطالب لظهور الشيء ، واللّه ناظر لعباده بظهور رحمته إياهم ، ويكون الناظر الطالب لظهور الشيء بإدراكه من جهة حاسة البصر أو غيرها من حواسه ، ويكون الناظر إلى لين هذا الثواب من لين غيره . والنظر بالقلب نظر العلم من جهة الفكر والتأمل لأحوال الأشياء ، ألا ترى أن الناظر على هذا الوجه لابد من أن يكون مفكرا ؛ إذا المفكر على هذا الوجه سمي ناظرا ، وهو معنى غير الناظر والمنظور فيه ، ألا ترى أن الإنسان يفصل بين كونه ناظرا وكونه غير ناظر ، ولا يوصف القديم بالنظر ؛ لأن النظر لا يكون إلا مع فقد العلم ، ومعلوم أنه لا يصح النظر في الشيء ليعلم إلا وهو مجهول ، والنظر يشاهد ، ولهذا نفرق بين نظر الغضبان ونظر الراضي . والنظر في القرآن على ثلاثة أوجه : الأول : النظر بالعين ، وهو قوله : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ سورة الأعراف آية : 143 ] ، وقوله : انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [ سورة الأعراف آية : 143 ] ، فكأن موسى يعلم أن اللّه لا يرى بالإبصار ، ولكن سأل ذلك ليجيء الجواب من اللّه ؛ لتكون أوكد للحجة على قوم من أمته سألوه ذلك .
--> ( 1 ) [ نظر ] : نظر إليه ينظر نظرا ، ويجوز التخفيف في المصدر تحمله على لفظ العامّة في المصادر ، وتقول : نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب . وقوله تعالى : " وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أي لا يرحمهم . وقد تقول العرب : نظرت لك ، أي عطفت عليك بما عندي ، وقال اللّه - عزّ وجلّ : " لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ " ، ولم يقل : لا ينظر لهم فيكون بمعنى التّعطّف . ورجل نظور : لا يغفل عن النظر إلى ما أهمّه . [ العين : نظر ] .