أبي هلال العسكري

323

تصحيح الوجوه والنظائر

الظلم قد ذكرنا أن أصله وضع الشيء في غير موضعه ، ويجوز أن يكون أصله النقصان ، ومنه قوله : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ سورة الكهف آية : 33 ] أي : لم تنقص ، والمظلومة : أرض لم تمطر بين أرضين قد مطرنا ؛ كأنها نقصت حقها . وهو في القرآن على أربعة أوجه : الأول : الشرك ؛ قال اللّه : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ سورة الأنعام آية : 82 ] ، والشاهد قوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ سورة لقمان آية : 13 ] ، ولما نزلت قوله : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ شق على الناس ؛ فقالوا : يا رسول اللّه ، وأينا لا يظلم نفسه ، فقال : " أنه ليس الذي تعنون ، ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح : إن الشرك لظلم عظيم " « 1 » . الثاني : ظلم العبد نفسه ؛ قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ سورة البقرة آية : 231 ] . فإن قيل : كيف يظلم العبد نفسه ولم يقصد ضررها ؟ قلنا : لأنه يقصد إلى ضرر قبيح ينزل بها من أجل شهوته له فيضرها من حيث يظن أنه ينفعها ، ولو نظر فيما يأتيه حق النظر وقف على مكان الضرر منه فيكون ظالما لنفسه بذلك ؛ ونظيرها قوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [ سورة فاطر آية : 32 ] . ويجوز أن يكون المعنى أنه ينقصها الحظ من الثواب والذكر الجميل . الثالث : ظلم الإنسان غيره ؛ قال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً [ سورة النساء آية : 30 ] والعدوان والظلم واحد ؛ وإنما كرر اللفظين على المعنى الواحد إرادة التوكيد والتصرف في الكلام على ما بينا من مذهب قوم يذهبون إلى ذلك ، وأصح منه أن

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود ( 3578 ) ، وأبو عوانة في المستخرج ( 212 ) ، ( 214 ) ، والعراقي في طرح التثريب ج 6 / 211 .