أبي هلال العسكري
192
تصحيح الوجوه والنظائر
الكافر ، ويجوز أن يكون أراد أنكم كنتم ترابا فجعلكم أحياء ، والجماد قد تسمى ميتا على جهة التوسع ؛ لأنه عدم الحس والحركة . الثاني : محي الحي بمعنى العاقل العارف ، قال اللّه : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا [ سورة يس آية : 70 ] ، ونحوه قول الشاعر : لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي أي : لو تنادي عاقلا ، والمراد أنه لا يستعمل عقله ، ولو لم يكن له عقل أصلا لم يكن مكلفا . الثالث : الحي بمعنى المهتدي ، قال اللّه : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ سورة الأنعام آية : 122 ] ، أي : كافرا فهديناه ونحوه قوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [ سورة فاطر آية : 22 ، ] معناه لا يستوي المؤمن ولا الكافر ، فأخرج ما لا يقع عليه الحاسة إلى ما يقع عليه الحاسة ، كما قال : أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ [ سورة إبراهيم آية : 18 ] ، وما كان يجري هذا المجرى ، وهو أعظم في البيان ؛ لأن العيان فضلا على ما سواه . الرابع : الحياة بمعنى البقاء ، قال : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ « 1 » [ سورة البقرة آية : 179 ] ، يعني : أن من يعرف أنه إذا قتل اقتص منه كف عن القتل فبقى .
--> ( 1 ) قال الرازي : اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات ، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير ، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع ، وقول آخرين : أكثروا القتل ليقل القتل ، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم : القتل أنفى للقتل ، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا ، وبيان التفاوت من وجوه : أحدها : أن قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أخصر من الكل ، لأن قوله : وَلَكُمْ لا يدخل في هذا الباب ، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك ، لأن قول القائل : قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله ، وكذلك في قولهم : القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله : فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أشد اختصارا من قولهم : القتل أنفى للقتل وثانيها : أن قولهم : القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال ، وقوله : فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ليس كذلك ، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص ، ثم ما جعله سببا لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة ، بل جعله سببا لنوع من أنواع الحياة وثالثها : أن قولهم القتل أنفى للقتل ، فيه تكرار -