أبي هلال العسكري

147

تصحيح الوجوه والنظائر

التقى « 1 » أصل التقى : أن تجعل بينك وبين من تخافه حاجزا ، قال النابغة : سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه * فتناولته واتّقتنا باليد ثم كثر حتى قيل : توقيته ، إذا هبت الإقدام عليه ، ويقال : تقاه يتقيه ، واتقاه يتقيه وتوقاه يتوقاه ، والمتقي في أسماء الدين : هو الذي يؤدي الفرائض ، ويجتنب المحارم ، ويجعل ذلك بينه وبين النار جنة ، ولا يستحقه مطلقا إلا المستحق للثواب ، ويجري على غيره مقيدا ، وقال الشاعر يصف سيوفا : جلاها الصّيقلون فأخلصوا جعافا * كلّها يتّقى بأثر والأثر : والأثر ماء السيف وفرنده ، كأنها تجعل ذلك بينها وبين من يريد عيبها ، والإقدام عليها حاجزا ، وذلك أنه إذا رأى أثرها لم يعبها ، أو ترك الإقدام على أصحابها . وهو في القرآن على خمسة أوجه : الأول : بمعنى الخشية ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ * [ سورة النساء آية : 1 ، الحج : 1 ، لقمان : 33 ] ، أي : أخشوا عقابه ، واجعلوا الإيمان بينكم وبينه ، وقال : إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ [ سورة الشعراء آية : 106 ] ، ومثله كثير . الثاني : بمعنى العبادة ، قال اللّه تعالى : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ [ سورة الأعراف آية : 65 ] ، أي : أفلا تعبدون ، وقال : وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ سورة المؤمنون آية : 52 ] ، هكذا جاء في التفسير ، ويكون ذلك أيضا بمعنى الخشية ؛ لأنه إذا قال :

--> ( 1 ) ( ت ق ي ) : رجل تقيّ أي زكيّ وقوم أتقياء وتقي يتقى من باب تعب تقاة والتّقى جمعها في تقدير رطبة ورطب واتّقاه اتّقّاء والاسم التّقوى وأصل التّاء واو لكنّهم قلبوا . [ المصباح المنير : التاء مع القاف ] والفرق بين التقي والمتقي والمؤمن : أن الصفة بالتقي أمدح من الصفة بالمتقي لأنه عدل عن الصفة الجارية على الفعل للمبالغة والمتقي أمدح من المؤمن لان المؤمن يطلق بظاهر الحال والمتقي لا يطلق إلا بعد الخبرة وهذا من جهة الشريعة والأول من جهة دلالة اللغة ، والإيمان نقيض الكفر والفسق جميعا لأنه لا يجوز أن يكون الفعل إيمانا فسقا كما لا يجوز أن يكون إيمانا كفرا إلا أن يقابل النقيض في اللفظ بين الإيمان والكفر أظهر . [ الفروق اللغوية : 1 / 137 ] .