أبي جعفر النحاس

5

اعراب القرآن

من ورائي من بعد موتي ولكن من ورائي في ذلك الوقت ، وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنّهم خفّوا في ذلك الوقت وقلّوا ، وقد أخبر اللّه عزّ وجلّ عنهم بما يدلّ على الكثرة حين قالوا : أيّهم يكفل مريم ؟ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي لا تلد كأنّ بها عقرا . والفعل منه عقرت مسموع من العرب ، والقياس عقرت . فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا والمستقبل يهب ، والأصل يوهب بكسر الهاء ، ومن قال : الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو وكما لم تحذف في يوجل ، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق . وقرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 1 » برفعهما ، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 2 » بالجزم فيهما . قال أبو جعفر : القراءة الأولى بالرفع أولى في العربية وأحسن ، والحجّة في ذلك ما قاله أبو عبيد فإن حجّته حسنة . قال : المعنى : فهب لي من لدنك الوليّ الذي هذه حاله وصفته لأن الأولياء منهم من لا يرث ، فقال : هب الّذي يكون وارثي ، وردّ الجزم ؛ لأن معناه إن وهبته لي ورثني ، فكيف يخبر اللّه جلّ وعزّ بهذا وهو أعلم به منه ؟ وهذه حجة مقتضاة لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة . تقول : أطع اللّه جلّ وعزّ يدخلك الجنة والمعنى : إن تطعه يدخلك الجنة . فأما معنى يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة : قيل : هي وراثة نبوّة ، وقيل : هي وراثة حكمة ، وقيل : هي وراثة مال . فأما قولهم وراثة نبوة محال ؛ لأن النبوة لا تورث ، ولو كانت تورث لقال قائل : الناس كلّهم ينسبون إلى نوح صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو نبيّ مرسل . ووراثة الحكمة والعلم مذهب حسن . وفي الحديث « العلماء ورثة الأنبياء » « 3 » وأما وراثة المال فلا يمتنع وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا نورث ما تركنا صدقة » « 4 » فهذا لا حجّة فيه ؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجميع وقد يؤول هذا بمعنى لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخلف شيئا يورث عنه ، وإنما كان الذي له أباحه اللّه عزّ وجلّ إياه في حياته بقوله جلّ وعزّ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ الأنفال : 41 ] لأن معنى للّه جلّ وعزّ لسبل اللّه جلّ ثناؤه ، ومن سبل اللّه تبارك وتعالى ما يكون في مصلحة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما دام حيّا فإن قيل : ففي بعض الروايات « إنّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة » ففيه التأويلان جميعا أن يكون « ما » بمعنى الذي ، والآخر لا يورث من

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 6 / 165 . ( 2 ) انظر تيسير الداني 120 . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في سننه في المقدمة 17 - حديث 223 ، والدارمي في سننه 1 / 98 . ( 4 ) أخرجه مالك في الموطأ باب 12 حديث 27 ، والترمذي في سننه - السير 7 / 112 ، وأبو داود في سننه رقم ( 2977 ) .