أبي جعفر النحاس
7
اعراب القرآن
لمحة تاريخية عن مباحث إعراب القرآن كان القرآن الكريم على الدوام دليل المسلمين وقبلتهم ومثابة اجتهادهم ، لذلك ما انفكّوا يعكفون عليه حفظا ودرسا وتمثّلا ، ولا ينون يصرفون جهدا كبيرا متّصلا لتبيان معانيه وأحكامه ، وناسخه ومنسوخه ، ووجوه قراءته ، ودقائق بلاغته ، وآيات إعجازه ، وسوى ذلك من النواحي التي يشتمل عليها موضوع علوم القرآن ومباحثه القديمة المتجددة . ومن المباحث الأساسية في هذا المجال إعراب القرآن ، ألفاظا وجملا . ولا يخفى ما لهذا المبحث من أهمية كبرى في الكشف عن معاني القرآن للارتباط الوثيق القائم بين المعنى والمبنى في اللغة العربية ، أو بالأحرى بين اللفظ وإعرابه بحيث يتلوّن المعنى بتلوّن الإعراب . وقد قيل : الإعراب فرع المعنى . ولعل ما يميز اللغة العربية عن معظم اللغات الأخرى هو هذا الارتباط الوثيق بين المعنى والإعراب ، وبهذا الترتيب : فالنصّ العربي يفهم أولا ، ثم يقرأ قراءة صحيحة أي معربة على الوجه الصحيح . والقارئ مهما بلغ من التمكّن في علم النحو ، لا يستطيع أن يقرأ نصّا عربيّا لأول وهلة وعلى النحو الصحيح إن لم يكن متمثلا المعنى المراد أولا ، خصوصا عندما تغيب علامات الإعراب أو الشكل . هذا بخلاف ما يحصل بإزاء نص فرنسي مثلا ، إذ يستطيع قراءته قراءة صحيحة حتى من دون أن يسبق له علم بالمعنى الموجود فيه . فالنص الفرنسي يقرأ ثم يفهم . من هنا يمكن القول إن اللغة العربية ما تزال لغة شفوية في المقام الأول . إن العلاقة بين « علم إعراب القرآن » وعلم النحو لا تحتاج إلى إيضاح . وبالتالي فقد اعتبر جمهور العلماء أن إعراب القرآن هو من علم النحو . ولكن العلاقة وثيقة أيضا بين إعراب القرآن وتفسيره ، ولذلك ذهب البعض ، ومنهم طاش كبري زادة في كتابه « مفتاح السعادة » ، إلى أنه من فروع علم التفسير . والحقيقة أن إعراب القرآن ضروري للتفسير ولا ينفصل عن علم القراءات . وعليه ثمّة علوم ثلاثة مترابطة هي : علم التفسير ( التأويل ) وعلم الإعراب وعلم القراءات . من هنا نلاحظ أن معظم كتب التفسير لا تخلو من إشارات إلى وجوه القراءة المختلفة وبالتالي إلى وجوه الإعراب .