أبي منصور الماتريدي
99
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
البيت كيلا يسكنه ، ومن بنى لنفسه في الشاهد وهو يعلم « 1 » أنه لا يسكنه ، صار عابثا في فعله ، وجل الله تعالى عن أن يوصف بالعبث . وقوله - عزّ وجل - : وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . أي : نجني من شر فرعون وجوره ، ومن عمله أي : من كفره ؛ فيكون قولها : وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ راجعا إلى نفسه ، والآخر راجعا إلى عمله ، وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ راجعا إلى قومه ، فسألت النجاة عنهم جملة ، لما كانوا يمنعونها عن عبادة الله تعالى ، فكانت تخاف ناحيتهم ، ولا تأمن وتخاف منهم ، فسألت النجاة منهم ؛ لتصل إلى عبادة ربها . وقوله - عزّ وجل - : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها . فأخبر عنها بإحصانها فرجها ، وذلك بالأسباب ، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين الناس حجابا ؛ لئلا يقع بصر الناس عليها ، ولا يقع بصرها عليهم لتصل به إلى تحصين فرجها ؛ قال الله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [ النور : 30 ] ، وهم إذا غضوا الأبصار ، وصلوا إلى حفظ الفروج ؛ ففي الحجاب غض البصر ، وفي غض البصر وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه ، وقال في آية « 2 » أخرى : يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ [ آل عمران : 42 ] ، وتطهيره إياها في أن طهرها من الفواحش والزنى ، فأضاف الإحصان إليها في الآية الأولى ، وأضاف التطهير هاهنا إلى نفسه ، فوجه إضافة الإحصان إليها ما ذكرنا : أنها تكلفت الأسباب التي هي أسباب الموانع للزنى ، الدواعي إلى الإحصان ، وأضاف إلى نفسه التطهير ؛ لأن وقوع ذلك وحصوله كائن به ، ففيه دلالة أن كل فعل من أفعال العباد لا يخلو من أن يكون لله - تعالى - فيه صنع وتدبير . وقوله - تعالى - : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا . أي : خلقنا فيه ما به تحيا الصور والأبدان . وقوله : فِيهِ ، أي : في عيسى ، وقال في آية أخرى : فَنَفَخْنا فِيها [ الأنبياء : 91 ] أي : في نفس عيسى - عليه السلام - والنفس مؤنث . ثم تشبيهه بالنفخ : أن الروح إذا خلق فيه انتشر في الجسد كالريح إذا نفخت في شيء انتشرت فيه . أو التشبيه بالنفخ لسرعة دخوله فيما نفخ فيه كالريح ، والله أعلم . وقوله : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها .
--> ( 1 ) في ب : لا يعلم . ( 2 ) في أ : آيات .