أبي منصور الماتريدي
100
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فجائز أن يكون الكلمات هي التي بشرت بها مريم من قوله : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ [ آل عمران : 45 ] ، وقوله : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ [ آل عمران : 43 ] ، وقوله : يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ [ آل عمران : 42 ] ، وقوله : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [ مريم : 25 ] ، فصدقت بجملتها أنها من عند الله ، لا شيء ألقى إليها الشيطان . أو وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها أي : بحجج ربها وبراهينه ؛ لقوله : وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [ يونس : 82 ] ، أي : بحججه : وأدلته . ثم تكون الحجج حجج البعث أو حجج الرسالة أو الوحدانية ، أو يكون « 1 » قوله : وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها ، أي : بالكلمات التي يستعاذ بها من الشرور ، فصدقت أنها تعيذ من تعوذ بها ، والله أعلم . وقوله - تعالى - : وَكُتُبِهِ ، وقرئ وكتابه . وفي تصديقها بالكتاب تصديق منها بالكتب ؛ لأن من آمن بكتاب من كتب الله تعالى ، فقد آمن بسائر كتبه ؛ لأنها يوافق بعضها بعضا ، ومن آمن بكتبه فقد آمن بكل كتاب له على الإشارة إليه ؛ فثبت أن في الإيمان بكتاب إيمانا بسائر الكتب ، فكل واحدة من القراءتين تقتضي معنى القراءة الأخرى ؛ فإن قوله : بكتابه أي بالإنجيل ، وقوله بكتبه أي : بالإنجيل وسائر الكتب المتقدمة المنزلة من عند الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ . قيل : من المصلين ؛ لأنه قال في آية أخرى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ آل عمران : 43 ] وإذا وصف الصلاة ، فالتزمت « 2 » هذا الأمر ؛ فصارت من القانتين . وقيل « 3 » : أي : من المطيعين لربها ، والله أعلم بالصواب . * * *
--> ( 1 ) في أ : أي ويكون . ( 2 ) في ب : فألزمت . ( 3 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 34475 ) و ( 34476 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 378 ) .