أبي منصور الماتريدي
94
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بالسيف ، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم ؛ وذلك أن المنافقين هم الذين كانوا يرتكبون المآثم التي أوجب فيها الحدود ففيهم نزلت الحدود ، وأما أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقد عصموا عن المآثم التي لها الحدود . وقالت الباطنية في قوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ أي : جاهد الكفار والمنافقين بالقتال ، فكان مأمورا بالقتال مع الفريقين جميعا ، ولكنه اشتغل بقتال أهل الكفر ، ولم يتفرغ لقتال أهل النفاق فتولى قتالهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وما ذكر أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه حين رأى عليّا - رضي الله عنه - يخصف نعله : « إن خاصف نعله يقاتل على التأويل كما نقاتل نحن على التنزيل » ، وقتاله على التأويل قتال أهل النفاق ، فإن كان الأمر على ما ذكروا من القتال فأبو بكر - رضي الله عنه - هو الذي تولى قتال أهل النفاق لا عليّ - رضي الله عنه - لأنه ذكر أن العرب ارتدت بعد ما قبض رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فقاتلهم أبو بكر - رضي الله عنه - وارتدادهم يدل على أنهم لم يكونوا محققين في إيمانهم ؛ إذ لو كانوا كذلك لم يرجعوا بل كانوا منافقين ، وأما الذين قاتلهم علي - رضي الله عنه - فلم يكونوا منافقين بل كانوا يدعون عليّا - رضي الله عنه - إلى أن يحكم بكتاب الله تعالى ، والمنافق هو الذي يظهر من نفسه أنه يعمل بحكم الله تعالى ، ثم يسر بخلاف حكمه ، لا أن يدعو إلى العمل بحكم الله تعالى ، وهذه السمة ظهرت في الذين قاتلهم أبو بكر دون الذين قاتلهم علي - رضي الله عنه - ثم مجاهدته صلّى اللّه عليه وسلم في تقرير الحجة في قلوب الكفرة والمنافقين وإلزامها عليهم ، وذلك يكون مرة بالسيف ومرة بإلزامها باللسان . ووجه إلزام الحجة بالسيف ما ذكرنا أن غلبته على الأعداء مع [ كثرتهم وقوة ] « 1 » شوكتهم وقلة أنصار رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يظهر لهم نصر الله إياه وكونه على الحق ، فيحملهم ذلك على الإيمان بالله تعالى ، وإذا كان كذلك فقوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ في إلزام الحجة ؛ فإن كانوا في موضع أمن فمجاهدتهم في إلزام الحجة عليهم من جهة القول ، وإن كانوا في موضع المحاربة والقتال ، فمجاهدتهم في قتالهم ، وقد كان من المنافقين من قد لحق بالكفرة وذب عنهم ، ألا ترى إلى قوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ [ النساء : 88 ] ، فمن لحق بهم قاتلهم مع الكفرة ، ومن لم يلحق بهم ألزمهم الحجة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ .
--> ( 1 ) في أ : كثرة .