أبي منصور الماتريدي

93

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والمؤمنين ، والإخزاء يقع بالعذاب ؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا ، ولو كان أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب ؛ إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين ومن قولكم « 1 » : إنهم يخاف عليهم العقاب ؛ فثبت أنهم ليسوا بمؤمنين . ولكن نقول : إن هذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم ؛ لأن في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا ، وهم مقرون بأن أهل الكبائر ممن قد آمنوا ، ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين ، والآية لم تنطق بنفي الإخزاء عن المؤمنين ؛ لأنه لم يقل : يوم لا يخزي الله النبي والمؤمنين ، وإنما قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا ، وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن ؛ فصاروا هم المحجوجين بهذه الآية ، ثم حق هذه الآية عندنا أن نقف على قوله : النَّبِيَّ ، أي : لا يخزيه الله تعالى في أن يرد شفاعته أو يعذبه ، وقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، ابتداء كلام وخبره نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ؛ وهو كقوله - تعالى - : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [ آل عمران : 7 ] . أو لا نخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويحتمل أن الإخزاء هو الفضيحة ، أي : لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي الكفار ، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة ، والخزي : هو الفضيحة ، وهتك الستر ، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله « 2 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ . أي : بين أيديهم إذا مشوا ، وبإيمانهم عند الحساب ؛ لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم ، وفيه نور وخير ، أو يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم ؛ لأن ذلك طريقهم وشمالهم طريق الكفرة . وقوله - عزّ وجل - : يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا . جائز « 3 » أن يقولوا هذا عند انطفاء نور المنافقين ؛ فيخافون انقطاع ذلك النور عنهم أيضا . أو يقولون هذا عند ضعف النور ، فيسألونه إتمامه « 4 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ، قيل : جاهد الكفار

--> ( 1 ) في ب : قولهم . ( 2 ) في ب : لفضله . ( 3 ) في ب : فجائز . ( 4 ) في ب : الإيمان .