أبي منصور الماتريدي
665
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وكذلك صلحت المحنة والأمر في صحبة الأولياء والأعداء بحق الولاية والعداوة فيما لا يرون صلاحها وفيما يرون ؛ إذ من الوجه الذي فيه الولاية والعداوة مرئية لأبصار « 1 » القلوب والعقول ؛ فيمكن الحذر والمعاملة جميعا ، وعلى هذا التقدير لم يمكن الله أعداءه الذين لا يرون من معاداتهم بأفعال من أبدانهم وأموالهم بالسلب والتنجيس والإفساد ، وقد مكن أعداءهم من الإنس ذلك ؛ ليمكنهم الدفع عن ذلك والحذر عنه بما وقع الوقوف لبعض على حيل بعض والصرف عن ذلك ، وما هذا إلا كدرك الحواس بأفعالها وأسبابها بالحس ، وكذلك أمر الملائكة ، لكن من لا يحتمل عقله معرفة الصانع والتوحيد مع شهادة العقل وكل شيء فجهله بالشيطان غير مستبعد ولا مستنكر ، والله أعلم . قال - رضي الله عنه - : ثم اختلف في وجه تمكن الشيطان من الإنس فيما يوسوس إليه : قد روي في بعض الأخبار أنه يجري فيه مجرى الدم ، فأنكر ذلك قوم ، وليس ذلك مما ينكر بعد العلم باحتمال جري الدم فيه وجري قوة الطعام والشراب وما به حياة الأبدان والحواس مما لطف مجراه في جميع العروق والأعصاب وكل شيء ؛ بلطافة ذلك ؛ [ فعلى ذلك ] « 2 » الشيطان . وعلى ما روي في أمر الملك مما يكتب ما لا يعلم موضع قعوده ولا يسمع صريف « 3 » قلمه ولا ما يكتبه علينا من ذلك ، فعلى ذلك أمر الذي ذكرت . ثم قد ثبت القول بأمر الله تعالى نبيه أن يتعوذ به عن همزه ونزغه وحضوره بقوله تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ . . . الآية [ الأعراف : 200 ] ، وقوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ . . . [ المؤمنون : 97 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [ الأعراف : 102 ] ، وقال : الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ . . . الآية [ البقرة : 275 ] ، فثبت أن أمره على ما بيناه . ثم القول في أي موضع لوقت ما له من الوحي والمس والنزغ أمر لا يحتاج إليه بحق ؛ لأن الله تعالى [ و ] عزّ وجل أخبرنا أنا لا نراه بقوله : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] ولكن الذي رجعت المحنة إلى أفعاله التي يقع لها « 4 » آثار في
--> ( 1 ) في ب : مرتبة لأنصار . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 3 ) في الأصول : صرير . ( 4 ) في ب : عليها .