أبي منصور الماتريدي

666

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الصدور ، وقد مكنّا « 1 » بحمد الله تعالى ومنّه لندرك منه ، وإنما علينا التيقظ لما يقع في الصدور من أفعاله ووساوسه لندفع بما مكننا الله تعالى [ و ] عزّ وجل من الأسباب ، وعرفنا من الحجج نقض الباطل والتمسك بالحق ، كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [ الأعراف : 102 ] وتوجهوا « 2 » إلى الله تعالى بالتعوذ في طلب اللطف الذي جعله الله تعالى للدفاع ، كقول يوسف - عليه الصلاة والسلام - : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ . . . الآية [ يوسف : 33 ] ، على العلم فيه بطوائف الأشياء من المجعول لدفع كيدهن ، وكذلك قول الراسخين في العلم : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . . . الآية [ آل عمران : 8 ] . لكن من الناس من يقول : هو يعلم النفس فيما تهوى فيزين لها ذلك ، والعقل فيما يدعو من ذلك فيمنعه عن ذلك . ومنهم من يقول : لا ، لكن في ذلك آثار من الظلمة والنور والطيّب والخبيث ، فيعرف بالآثار وفيها موقع وسواسه حتى يصل إلى الفعل « 3 » ، وقد يكون عمل الهوى والعقل جميعا في الجسد وخارجا منه ، وبخاصة آثار الأعمال . ومنهم من يقول : ليس له بشيء من ذلك علم ، لكن بكل ما يرجو العمل من التغرير أو في التمويه والتلبيس كالأعمى فيما يمس ويطلب المضار من المنافع ونحو ذلك ، لكن ذلك كله طريق عمل الشيطان وطريق إمكانه وحيله ، وذلك أمر لم نؤمر « 4 » بمعرفته ، وإنما علينا مجاهدته في منع ذلك بالتيقظ أو بدفعه بما نتذكر ، هكذا ذكرت في الآيات ، أو بالفزع إلى الله سبحانه وتعالى في دفعه ومنعه إن حضر بما عنده من اللطائف التي لديها يقع الأمن عن الزيغ والظفر بالرشد . وتأول كثير منهم أنه يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الناس ، وذلك ممكن ؛ لما قد يكون من كل جنس ضلّال وغواة وأخيار وأبرار ، فأما حق تأويل السورة على ما وصفنا في ذكر وسواس الجن والإنس . ثم القول في المعوّذتين أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن ، قال الفقيه - رحمه الله - : لنا من أمرهما أنهما انتهتا بما انتهت إلى أهل هذا العصر معرفة القرآن في الجمع « 5 » بين

--> ( 1 ) في ب : مكننا . ( 2 ) في ب : ويرجعوا . ( 3 ) في ب : العقل . ( 4 ) في الأصول : نؤمن . ( 5 ) في أ : الجميع .