أبي منصور الماتريدي
662
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كالمجعول المسخر لهم ، قال الله - تعالى - : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] ، وقال : اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ . . . . الآية [ الجاثية : 12 ] ، وقال الله - تعالى - : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً . . . . الآية [ البقرة : 22 ] ، فإذا قيل : بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ ، فكأنه قيل : « برب كل شيء » ، لأن ما سواهم جعل لهم ، وذكر الخلق والتوجيه إليه في الاستعاذة والاستعانة هو اعتراف بألا يملك غيره ذلك ؛ فاستوى الأمران ، والله أعلم . وقيل في بِرَبِّ النَّاسِ : مصلح الناس ، وذلك يرجع إلى أن به صلاحهم في الدين وفي النفس . وقيل : ملك الناس ؛ على الإخبار بأن الملك له فيهم جميعا ، وفي الخلق مما لم يذكر فيه جهة الملك ؛ فبين أن ذلك كله في التحقيق لله - تعالى - وملكه ، ولغيره يكون من جهته على ما أعطي لهم بقدر ما احتاجوا إليه . وقيل : سيدهم ، لكن لفظة « السيد » لا تذكر لمالك غير الناس ، ويوصف بالرب والملك والمالك على الإضافة لا مطلقا ، يقال : رب الدار ، ومالك الجارية ، وملك المصر « 1 » ، ونحو ذلك ، فكأنه أقرب . وقوله - عزّ وجل - : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ : سمى الذي يوسوس بأنه وسواس وخناس ، وقيل في تأويله من وجهين : أحدهما « 2 » : أنه يوسوس لدى « 3 » الغفلة ، ويخنس عند ذكر الله تعالى ، أي : يخرج ويذهب . وقيل : يخنس : لا يرى ، ولا يظهر ، كقوله - تعالى - : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] ؛ ولهذا قيل في الجواري الكنس « 4 » : إنهن يطلعن من مطالعهن ، ويخنسن بالنهار ، أي : يختفين . وجائز أن يكون قوله - عزّ وجل - : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ صير الموسوس في صدور الناس من الجنة والناس . وقيل - أيضا - : على التقديم والتأخير ، معناه : قل أعوذ برب الناس من الجنة والناس
--> ( 1 ) في ب : مصر . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 38389 ، 38390 ) ، وابن أبي الدنيا ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي ، والضياء في المختارة عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 722 ) وهو قول مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد أيضا . ( 3 ) في ب : لذي . ( 4 ) في ب : الخنس .