أبي منصور الماتريدي
663
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الذي يوسوس في صدور الناس . أما الوسوسة فهي أمر معروف ، وذلك بما « 1 » يلقى من الكلمات التي تشغل القلب وتحير في أمر الدين ، بما لا يعرف الذي يلقى إليه المخرج من ذلك ، وعلى ذلك أمر أهل الأهواء ، وأصناف الكفرة ؛ كقوله - تعالى - : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] ، وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ الأنعام : 121 ] ، وأما شياطين الجن ، فهو أمر ظاهر عند جميع أهل الأديان ومن آمن بالرسل عليهم السلام ، لكن الدهرية ومنكري الرسل يقولون : ليس في الجن شياطين ؛ وإنما هو أمر يخوّف به مدعو الرسالة ؛ ليلزموا الخلق الاستماع إليهم في تعرف الجهل وما عندهم في دعواهم من العلوم والمعارف ، وهذا لسفههم قالوا ، ولو أنهم تأملوا في ذلك ، لعرفوا أنهم على غير بحث عما ألزمهم ضرورة العقل الطلب ، ودعتهم إلى البحث عنه ما مستهم من الحاجة ، وهي الخواطر التي تقع في القلوب ، والخيالات التي تعرض في الصدور ، منها [ ما ] إذا صورت وجدت قباحا ، ومنها ما إذا صورت وجدت حسانا ، ولا يجوز وقوع أمر أو كون شيء بعد أن لم يكن من قبل نفسه ؛ للإحالة في أن يصير لا شيء بنفسه شيئا قبيحا أو حسنا بلا مدبر ، وقد علم جميع الإنسان بالذي ذكرت من الابتلاء به مما يعلم أنه لم يكن من نفسه معنى يحدث له ذلك ؛ فثبت أن قد كانت الضرورة تلزم البحث عن ذلك . ثم لا يعلم من حيث طلب الأبدان الموجبة لها ولا في العقول - أيضا - دركها ؛ فيجب بها أمران منعهم عن العلم بهما القنوع بالجهل وحب الراحة : أحدهما : القول بالصانع ، ودخول العالم تحت تدبير حكيم عليم قدير . والآخر : القول بالرسالة تأتيهم من عند علام الغيوب ، وإذا كان ذلك بحيث لا يبلغه علم البشر فيعرف حقيقة ذلك ؛ فيعلم عند النظر والبحث أمران عظيمان : أحدهما : الرسل بما معهم من المعجزات ، فيقولون بهم ، وبالتوحيد بما رأوا من الآيات الصدق « 2 » ؛ إذ قد علموا أن في الأخبار صدقا ، لولا ذلك لكانوا لا يدعون شيئا ؛ إذ هو خبر [ له ] « 3 » . والثاني : يلزمهم بما يعاينوا من مرجح الأمر من غير الحكماء أنها تقع متفاوتة مضطربة ، والعالم بما خرج متسقا على الحكمة والمصلحة ؛ فعلموا أنه كان بمدبر حكيم
--> ( 1 ) في أ : مما . ( 2 ) في ب : الصرف . ( 3 ) سقط في ب .