أبي منصور الماتريدي

657

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الليل ، ومنها في الليل لا يمكن إلا بنور القمر ؛ فأمر بالتعوذ منه عما يتحقق فيه ؛ فعلى ذلك يجوز التعوذ من شر النهار ، على تأويل ما يقع به من التمكين من الشر ، ويوجد فيه ، والله أعلم . وقوله : إِذا وَقَبَ اختلفوا في معنى وَقَبَ : قيل « 1 » : إذا جاء ودخل . وقيل « 2 » : ذهب . وقيل « 3 » : معناه : القمر إذا خسف ، أمر بالاستعاذة من ذلك ؛ إذ هو علم من أعلام الساعة ؛ لهذا قال : إِذا وَقَبَ ؛ إذ القمر لا يخسف إلا في الليل . وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ : فهذا تعوذ من شرهم بحسب سببه ، لكنه في الحقيقة فعل لهم ، وفي الأول يقع سببه بلا صنع لهم ، فكأنه في الجملة أمر بالتعوذ من كل سبب خيف تولد الشر منه ، فعلا كان ذلك له أو لم يكن ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لقمان : 33 ] ، وقد يكون للشيطان فعل في الحقيقة ، ولا يكون للحياة الدنيا فعل ؛ فوقع النهي عن الاغترار بهما ؛ فعلى ذلك التعوذ من شر الأمرين وإن لم يكن لأحدهما فعل بما يقع فيه . وجائز أن يكون من هذا الوجه في الملائكة محنة في الدفع والحفظ ؛ لقوله - عزّ وجل - : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] ، قيل فيه : أي : بأمر « 4 » الله يقع حفظه ؛ فجائز أن يكون في هذه الأمور الخفية ، وأنواع المضار من حيث لا يعلم إلا بعد جهد يقع الحفظ بالله - تعالى - على استعمال الملائكة . وعلى ذلك يجوز أن يكون أمر سلامة المطاعم والمشارب والمنافع التي للبشر عن إفساد الجن ، يحفظ ما ذكر ؛ ليكون فيها محنة للملائكة ، على ما كان مكان وسواس الشيطان إيقاظ الملائكة ومعونتهم . ويحتمل أن يكون الله - تعالى - لم يمكنهم إفساد ما ذكرنا وإن مكنهم الوسواس ؛ إذ باللطف يمنع من حيث لا يعلم .

--> ( 1 ) قاله محمد بن كعب أخرجه ابن جرير عنه ( 38366 ، 38367 ) . ( 2 ) قاله عطية أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 718 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 38377 ، 38378 ) ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه كما في الدر المنثور ( 6 / 718 ) . ( 4 ) في ب : بأوامر .