أبي منصور الماتريدي

658

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقيل - أيضا - : من أمر الله : عذابه وأنواع البلايا إلى وقت إرادة الله - تعالى - الوقوع . وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ يخرج على وجهين : أحدهما : إذا كان الحاسد دون المحسود ، لا يقوى على الشر ليفعل به ، والشر المتوهم منه يكون من شر عينه ، وعمل الحسد إرادة زوال نعم المحسود وذهاب دولته . وإنه جائز أن يكون الله - عزّ وجل - بلطفه « 1 » يجعل في بعض الأعيان عملا يتأدى « 2 » بالنظر إلى ما يستحسنه من النعم « 3 » إلى الزوال ، ويؤثرون ذهاب الدولة عنه ؛ فأمر بالتعوذ لهذا ، وقد بينا لك المتولدات من الأفعال بما جعل الله - تعالى - فيها من المضار والمنافع ما لا يبلغها علوم الخلق ، بل لو أراد الخلق أن يعرفوا ما في البصر من الحكمة التي تدرك بفتح البصر ما بين السماء والأرض من غير كثير مهلة ، لم يقدروا عليه . وروى عمران بن حصين أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا رقية إلا من عين أو حمة » . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : « العين حق ، فإن كان شيء يسبق القدر لسبقه العين » . وفي خبر آخر : « لا شر في الهام ، والعين حق » . ويدل عليه في قصة إخوة يوسف - عليه السلام - : وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [ يوسف : 67 ] . وقد فسر قوم وجه عمل العين وكيفيته ، لكنه أمر كعمل الشمس في العين نفسها فيما تبصر الشمس وتنظر إليها ، فإنها تضره وتغلبه عن النظر على بعدها من العين بما جعل الله - تعالى - وذلك من اللطف والحكمة ، وكذلك عمل العين في المعيون . والثاني : أن يكون بما حسد أن يبعث حسده على الحيل وأنواع ما به العين من السعي في الأمور التي بها الفساد على ضعفه في نفسه ؛ قال الله - تعالى - في صفة المنافقين : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [ المنافقون : 4 ] ، فمع ما بين من فشلهم وضعفهم ، أمرهم بالحذر عنهم ، وقال : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] ، ثم أمر بالتعوذ من شره ؛ فكذلك الحاسد ، والله أعلم [ بالصواب ] « 4 » .

--> ( 1 ) في ب : باللطف . ( 2 ) في ب : يتأذى . ( 3 ) في ب : النعيم . ( 4 ) سقط في ب .