أبي منصور الماتريدي

647

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والأصل عندنا في ذلك : أن الله - سبحانه وتعالى - بلطفه يمنع الخلق عن تسمية أحد : إلها ، إلا من جهة أحوال تعترض ؛ فسموا به على معنى جعل الاسم الذي جرت التسمية به حقيقة له ؛ فسموا ؛ ظنا منهم أن بذلك التوسل والتقرب ، لا أن يروا لشيء من ذلك حقيقة ذلك ، بل قالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، وقالوا : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، وقالوا : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] ؛ ليعلم أنهم عرفوا لله - تعالى - بما دعوا لأنفسهم في ذلك معاني تردهم إلى الله سبحانه وتعالى ، فذكروا مجازا من « 1 » أحد لسانين ، والله أعلم . أما لسان الرسل في ذكر الله ففي أمور تقربهم إلى الله تعالى ، لقوله : فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النساء : 59 ] ، وقال : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ محمد : 7 ] ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [ الفتح : 10 ] ، وصف مبايعة العبد ونصره أو نصر دينه نصرا لله ومبايعته ، بما يقرب ذلك إليه ؛ فعلى ذلك تسميتهم ما عبدوها ، لا أنهم رأوها آلهة في الحقيقة . أو عن ألسن الفلاسفة أن ليس لله اسم ذاتي ؛ وإنما سمي هو بذكر كل ذي شرف ومنزلة عنده ؛ فعلى ذلك إذ محل من يعبدون عندهم ما ذكرنا من القول عنهم ؛ فسموا به ، لا أن حققوا كما ذكروا حقيقة ذلك الاسم إلى من عرفوه أنه إله ، ردوا أمرهم في ذلك ، وذلك من لطف الله - تعالى - فيما سخرهم عليه ؛ كتسمية الخالق والرحمن : أنهم لا يسمون أحدا بهما ، وإن كثرت أفعاله ، وعظمت رحمته في الخلق ؛ ليعلم أنها أسماء الله - تعالى - منع الخلق عن التسمي بها باللطف من حيث لا يعرف سببه . ثم قوله - عزّ وجل - : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أي : الأمر هو الله أحد ؛ كما تقول : إنه زيد قائم ، أي : الأمر زيد قائم ، جواب من يسألك : ما الأمر والشأن « 2 » في أن قمت هاهنا ؟ فتقول : الأمر زيد قائم ، أي : قمت لأجله ، إلى هذا يذهب الزجاج ؛ كأنه يذهب إلى أنه لما قال : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فقيل له : ما الأمر والشأن « 3 » ؟ فقال : الأمر الله أحد ؛ أي : ليعرفوا أنه كذلك . وقوله - عزّ وجل - : أَحَدٌ يتوجه إلى واحد ، ثم « واحد » اسم ينفي المثل في الإضافة ، كما يقال : هو واحد الزمان ، وواحد الخلق ؛ على نفي التشبيه له عما أضيف

--> ( 1 ) في ب : في . ( 2 ) في ب : البيان . ( 3 ) في ب : البيان .