أبي منصور الماتريدي
639
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مجازاة له . فهذا وإن لم يكن في فعله في القصة استعمال اليدين ، فيجوز أنه كان يصرف الناس عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بيده ، أو حين دعى إلى الإيمان بالله - تعالى - مد يديه على التعجب من ذلك ، وقال : « ألهذا دعوتنا ؟ » فرد الله - تعالى - عليه ذلك ، وعيره به . وقد يجوز أن يظهر في الجواب مقدمة السؤال وإن لم يذكر ذلك في السؤال ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [ البقرة : 222 ] ؛ فعلم بذلك أن السؤال إنما كان عن قربانهن في المحيض ؛ فكذلك الأول . وإن كان ذكر اليد على الصلة ، فهو يخرج على وجهين : أحدهما : ذكر اليد كناية عن العمل والفعل ، إلا أنه ذكر اليد ؛ لما باليد يقوم ويعمل ؛ كقوله تعالى : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [ آل عمران : 182 ] ، و فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] ، وذلك على الكناية عما كان منه من الصنيع ، أي « 1 » : خسرت أعماله « 2 » وبطلت . والثاني : يذكر اليد على إرادة : قدام وأمام ؛ كقوله - تعالى - : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 42 ] ، أي : أمامه وخلفه ؛ فيكون معناه : ما قدم من الأعمال ، والله أعلم . ثم تخصيص أبي لهب بالذكر من بين سائر الكفرة يحتمل وجوها : أحدها : خصه بالاسم ؛ لأنه كان من الفراعنة والأكابر ، وهو المقصود به ، والفراعنة قد يذكرون بأسمائهم ؛ لما هم المقصودون به ، وإن كان من دونهم يشاركونهم في ذلك ؛ كذكر فرعون ، وعاد ، وثمود ، وغيرهم . والثاني : كان شديد الهيبة والخوف ؛ فذكره باسمه ، وخصه به ؛ ليعلم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لا يهابه ، ولا يخافه ، والله أعلم . والثالث : أنه كثير الأيادي والصنائع بحق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فلو كان الخطاب بهذا يعم الكفرة ، لكان يظن بما سبق منه من الأيادي أنه غير داخل تحت الخطاب ؛ فخصه بالذكر ؛ ليعلم أنه لا يغنيه من الله شيء . ثم ذكره بالكنية يخرج على وجوه :
--> ( 1 ) في أ : أو . ( 2 ) في ب : أعمالهم .