أبي منصور الماتريدي

594

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وكذلك « 1 » ما ذكر من أهل الإيمان ؛ حيث قال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ : فإن كان البرية مأخوذا من البرى ، فهو يرجع إلى الأصناف جميعا ، وإن كان « 2 » من البري « 3 » - وهو التراب - فهو يرجع إلى البشر خاصة ؛ فيصير كأنه قال : شر أهل البشر من جنسهم ، وخير أهل الخير من جنسهم ؛ لأنهم صاروا قادة في الهدى والخير . وقوله - عزّ وجل - : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ : فإن كان العدن هو المقام ، فجميع الجنان عدن ، وجميع الجنان نعيم . ثم قد قسم الخلق صنفين : صنفا جعله شر البرية ، وصنفا جعله خير البرية ، ثم يكون [ من ] « 4 » كل صنف شر من شر ، وخير من خير ، وسوى بين من نشأ على الكفر ، وداوم « 5 » عليه في التأبيد والتخليد وبين من أحدث الكفر في آخر عمره ، وكذلك من دام على الإيمان ، ومن أحدث سوى بينهما ، ولم يجعل لما مضى من الكفر والإيمان جزاء ولا عقابا ؛ وذلك - والله أعلم - هو أن من اعتقد إيمانا إنما يعتقده للأبد « 6 » ، وكذلك من يعتقد الكفر ، إنما يعتقده للأبد ، فإذا أحدث الإيمان بعد الكفر اعتقد قبح ما عمل في حال كفره وشره ، وحسن ما أحدث من الإيمان والتوحيد ، وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان ، اعتقد فساد ما عمل في حال إيمانه ؛ لذلك سوى بين من أحدث ، وبين من دام عليه ، وليس [ كمن يذنب ] « 7 » في وقت ، ويتوب في وقت ؛ لأنه ليس يعتقد حسن ذلك ، ولا قبحه في الأبد ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ يحتمل وجهين : أحدهما : يقول : رضي الله عنهم ، بعملهم الذي عملوا لأنفسهم ، وسعيهم الذي سعوا في الدنيا لهم ؛ رضي سعيهم لهم ، وَرَضُوا عَنْهُ ، أي : رضوا هم عنه بما أكرمهم ، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا ، وهو كقوله - تعالى - : وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [ الزمر : 7 ] ، أي : إن قبلوا ما أحسن إليهم ، وأحسنوا صحبة إحسانه إليهم يرضى ذلك لهم .

--> ( 1 ) في ب : ولذلك . ( 2 ) زاد في ب : جميعا . ( 3 ) في ب : الثرى . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : ودام . ( 6 ) في ب : الأبد . ( 7 ) في ب : لم يتب .