أبي منصور الماتريدي

595

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم ، ولمنفعة ترجع إليهم ، أو مضرة تندفع عنهم . والثاني : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا لأنفسهم ، ورضوا عنه بكرامته التي أكرمهم . وقوله - عزّ وجل - : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هذا منه إفضال وإنعام ؛ حيث ذكر رضاه عنهم ، وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا ، ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته عباده ؛ حيث سمى ما ادخروا في وقت حاجتهم إليه : قرضا ؛ حيث قال : . . . وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً . . . [ المزمل : 20 ] ، وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم سرّا ، وما يعملون لأنفسهم - جزاء وشكرا ، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له ، ولكن سمى بالذي ذكرنا ؛ لطفا منه وفضلا ؛ فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به ، وكذلك قوله : وَرَضُوا عَنْهُ ذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه ، وإلا من هم حتى يذكر منهم الرضا عن الله تعالى ؟ ! . ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا : أحدهما : رضوا عنه بما امتحنهم في الدنيا بالمحن الشديدة العظيمة ، وإن اشتدت تلك ، وثقلت على أنفسهم إذا رأوا إحسان الله - تعالى - وفضله في الآخرة . والثاني : رضوا عنه بالنعم التي أكرمهم في الجنة ، . . . لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [ الكهف : 108 ] ، ولا يريدون غيرها ، ولا يملون على ما يملون في الدنيا . قال أبو عوسجة : مُنْفَكِّينَ ، أي : لا يزالون على هذه الحال ، يقول الرجل : ما انفككت أفعل كذا وكذا ، أي : ما زلت أفعل كذا وكذا . وقال القتبي وأبو عبيد وغيرهما : المنفكين : زائلين . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ : أي : الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته ، أو خشي سوء صحبة نعمه ، وأصله أن من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات ، فإنما يفعل ذلك ؛ لخشية ربه - تعالى - وكل من [ كان ] أعلم بربه فهو أخشى لربه تعالى ، ومن [ كان ] أجهل به فهو أجرأ ؛ قال الله - تعالى - : . . . إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . . . [ فاطر : 29 ] . وقال الحسن : الخشية : هي الخوف اللازم في القلب الدائم فيه ، أو خشي خلافه وكفران نعمه ، والله أعلم ، [ والحمد لله رب العالمين ] « 1 » .

--> ( 1 ) سقط في ب .