أبي منصور الماتريدي
593
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدهما : تحذير لهذه الأمة ؛ لئلا « 1 » يتفرقوا كما تفرق أولئك في رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وفيما جاء به . والثاني : يكونون أبدا فزعين إلى الله - تعالى - في كل وقت ، خائفين منه ، وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم ؛ فيتفرقوا كما تفرق أولئك . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ . ظاهر هذا أن يكون تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ ، أي : بعض المشركين في النار ، لا كل المشركين ، ولكن من كفر من المشركين ، كان كمن كفر من أهل الكتاب في نار جهنم ، لكن الكفر هو الشرك ، والشرك هو الكفر ؛ كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . . [ النساء : 48 ] ؛ فدل أن الكفر والشرك واحد ؛ فكل كافر مشرك ؛ فكأنه قال : إن الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية . ثم جاء كل هذا التشديد لهؤلاء ؛ لأن أهل الكتاب ادعوا أنهم من نسل الأنبياء ، ثم تركوا اتباعهم ، والمشركون قد . . . وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ . . . [ فاطر : 42 ] ، [ ثم ] « 2 » نقضوا ذلك العهد . وأهل الكتاب قالوا : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ، فتركوا اتباع الصالحين من آبائهم . والعرب - أيضا - كانوا أقرب إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من غيرهم ؛ فحقه عليهم ألزم وأوجب ؛ فشدد على هؤلاء لهذا « 3 » المعنى . ثم إن كان البرية مأخوذا مقدرا من البري وهو التراب ، ويرجع تأويل الآية إلى البشر ؛ كأنه قال : أولئك هم شر ما أنشئ « 4 » من الأرض . وإن كان مأخوذا مقدرا من البرا وهو الخلق ؛ فيصير كأنه قال : أولئك هم شر ما خلقوا ؛ فيدخل « 5 » في ذلك الملائكة والجن والبشر ، وفي الأول لا يدخل إلا البشر خاصة .
--> ( 1 ) في ب : أن لا . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : بهذا . ( 4 ) في ب : أنشئوا . ( 5 ) في ب : فدخل .