أبي منصور الماتريدي
58
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أي : فيما أخبر من حكمه ووعده ووعيده : أن ينزل بهم . ويجوز أن يكون بالِغُ أَمْرِهِ ، أي : مبلغ ما أمر رسوله بتبليغه إلى آخر عصابة [ تكون من أمته ] « 1 » في تسخيرهم ؛ ليصيروا كأن الرسول بلغهم . وقوله - عزّ وجل - : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً . قال الحسن : [ جعل ] لكل شيء من أعمال « 2 » العباد قدرا وثوابا في الآخرة . والوجه عندنا : قد جعل الله لكل شيء مما كان ويكون إلى يوم القيامة من حسن وقبيح في الحكمة قدرا ؛ ألا ترى إلى أفعال العباد أنها كيف تخرج عن تدبيرهم من زمان إلى زمان ومكان ونحو ذلك ؛ ليعلم أن الله - تعالى - هو الذي قدر ذلك المكان والزمان والفعل ، حتى خرج فعل هذا العبد عن تقديره الذي قدره ، والله أعلم . وفي قوله - تعالى - : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وجه آخر ، وهو أنه لو جعل جميع الرزق من حيث لا يحتسب ، جاز ؛ لأن الرزق في الحقيقة هو الذي يتقوى به الإنسان ويتغذى به ، وليس ذلك في عين الأكل والشرب ، ولكن فيما يتفرق من قوة الطعام والشراب في الأعضاء ، وذلك باللطف من الله تعالى ، فثبت أن قوة الأكل والشرب إنما تصل إلى الأعضاء من حيث لا يحتسب الإنسان ، والله أعلم . ثم ليس في قوله - تعالى - : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً تخصيص أن من لا يتقيه لا يرزقه من حيث لا يحتسب ؛ لأنا قد نرى في الشاهد من يرزق من حيث لا يحتسب اتقاه أو لم يتقه ؛ فثبت أن فائدة التخصيص ليس نفي غير المذكور ، ولكن فائدة تخصيص المتقي بالذكر هو أنه يرزقه من حيث يطيب له ، ولا يلام عليه ، وليس ذلك في غير المتقي ، والله المستعان . ثم ليس في قوله : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ما يدل على ترك الأسباب ، ولكن لما رأى الناس يفزع بعضهم إلى بعض ويستغيث بعضهم ببعض ، أمرهم أن يجعلوا المقصد والمفزع إلى الله تعالى ، وأن يصيروا هذه الأسباب كلها محنة عليهم ، لا أن يروا أرزاقهم معصومة متعلقة « 3 » بها ، ألا ترى إلى قوله - تعالى - : وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] كيف أمر بإدراك فضله من تلك التجارة ؛ فثبت أن هذه المكاسب كلها « 4 » أسباب للخلق ، بها يتوصلون إلى فضل الله تعالى ، وأن المقصد والمفزع فيها إلى الله
--> ( 1 ) في أ : يكون أمر منه . ( 2 ) في أ : أفعال . ( 3 ) في أ : مقصودة معلقة . ( 4 ) في أ : بها .