أبي منصور الماتريدي
59
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تعالى ، والله أعلم . ثم اختلفوا في العدة : فمنهم من قال : هي استبراء الرحم . ومنهم من قال : هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح ، وهذا القول عندنا أصوب ؛ لأوجه : أحدها : أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق ؛ فإن من أراد أن يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها ، وأما العدة فإنها لا تجب إلا بعد الطلاق ، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود « 1 » ، والله أعلم . ومعنى آخر : وهو أن العدة لو كانت استبراء ، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة ، فلما قرنت بالعدد ، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء ، ثبت أنها على الوجه الأول ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ . هذا يدل على أن المراد من الأقراء الحيض ؛ وذلك لأن الأصل عندنا في الأصول [ أن الشيء ] « 2 » متى ذكر باسم مشترك ، ثم جرى البيان له عند ذكر البدل باسم خاص ؛ دل على أن المراد من الاسم المشترك هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] وكان اسم الغسل مشتركا يتناول الماء وكل مائع ، فلما قال عند ذكر البدل : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا [ النساء : 43 ] ، تبين أن المراد من ذلك الاسم المشترك هو هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل ، فكذلك الأول ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ . اختلفوا في قوله : إِنِ ارْتَبْتُمْ : أنه أريد به : إن ارتبتم في حيضهن أو في عدتهن ؟ وعندنا الارتياب في عدتهن ؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن ، لكان من حق الكلام أن يقول : « إن ارتبتن » أو يقول : « واللائي ارتبن » ليكون منسوقا على قوله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ فلما قال : ارْتَبْتُمْ ثبت أن المراد : إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر ، فهي ثلاثة أشهر ، والله أعلم . أو لأن المرتابة إذا رأت الحيض « 3 » ارتفع ريبها ، وصار عدتها بالحيض ، وخرجت من العدة بالشهور ، وأما الآيسة والصغيرة ؛ فإنه لا يتوهم عليهما ارتفاع الإياس والصغر ؛
--> ( 1 ) زاد في أ : أن الاستبراء واجب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : الحيضة .