أبي منصور الماتريدي

568

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال أبو معاذ : كلما كررت المعرفة كان واحدا ، والنكرة على العدد ؛ يقال في الكلام : إن مع الأمير غلاما إن مع الأمير غلاما ، فالأمير واحد ومعه : غلامان ، وإذا قيل : إن مع الأمير الغلام ، إن مع الأمير الغلام ؛ فالأمير واحد والغلام واحد ، وإذا قيل « 1 » : إن مع أمير غلاما ، إن مع أمير غلاما ، فهما أميران وغلامان ؛ فعلى ذلك ما ذكر هاهنا . ثم قوله : « يسرين » هو يسر الإسلام والهدى ، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على الإسلام والدين ، قال الله - تعالى - : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [ الليل : 7 ] ، ويسر آخر : ما وعد لهم من السعة في الدنيا . ويحتمل أن يكونا يسرين : أحدهما : رجاء اليسر ، والآخر وجوده ، فهما يسران : الرجاء ، والوجود . ويحتمل أن يكون يسرا في الدنيا ، ويسرا في الآخرة . أو أن يكون توسيعا : [ توسع ] « 2 » عليهم الدنيا ، ويسرا ثانيا : ما يفتح لهم الفتوح في الدنيا ، ويسوق إليهم المغانم والسبايا ، والله أعلم . ثم قالوا في قوله : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، أي : بعد العسر يسر . وأصله أن حرف « مع » إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان الواحد ، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد ، وهاهنا أضيف إلى الوقت ؛ فهو على اختلاف الأوقات واحدا بعد واحد ؛ فإذا قيل : فلان مع فلان في مكان ، فالوقت واحد ، والمكان مختلف متفرق . وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ : قال بعضهم « 3 » : إذا فرغت من دنياك فانصب لآخرتك ، وهو من النصب ، أي : التعب . وقال الحسن « 4 » : أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في العبادة له ، لكن هذا بعيد ؛ لأنه نزل ذلك بمكة ، ولم يكن أمر بالغزو والجهاد بمكة ، إلا أن يكون أمر بالجهاد بمكة في أوقات تأتيه في المستقبل ؛ فيكون الحكم لازما عليه في تلك الأوقات ، لا في حال ورود الأمر .

--> ( 1 ) في ب : قلت . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 37549 ) ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن نصر ، وابن أبي حاتم من طرق عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 617 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 37547 ) .