أبي منصور الماتريدي
550
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فدل أن العاقبة هي التي تصير هذا محمودا . ولأن الخلق جميعا من مسلم وكافر ، ومحسن ومسيء ، قد استووا في نعم هذه الدنيا ولذاتها مما ذكرنا من ممر الليل والنهار [ و ] مما يخلق فيها من النبات والثمار والعيون والأشجار ، فإذا وقع الاستواء في هذه الدار ، وبه وردت الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار - لا بد من دار أخرى للأشقياء والأبرار ؛ ليقع بها التفاوت [ بين الأبرار ] « 1 » والأشرار ، والنافع منهم نفسه والضار ، وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار ، وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها ، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا لا بد من دار أخرى [ فيها ] « 2 » يقع التفاوت والتفاضل بينهم ، وفيها يميز بين « 3 » ما ذكرنا . ثم بين أن السعي الذي يقع الجزاء له مختلف ، ما ذكر بقوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ، وهو يخرج على وجوه : يحتمل فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، أي : أعطى ما أمر به ، واتقى عصيانه « 4 » وكفران نعمه ، أو اتقى المنع ، أو من أعطى التوحيد لله - تعالى - من نفسه ، واتقى الشرك والكفران لنعمه ، وصدق بموعود الله - تعالى - : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى : للأعمال والشرائع ؛ إذ نشرح صدره للتوحيد والإسلام ونيسره « 5 » عليه . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ، ولم يأت بالتوحيد ، وَاسْتَغْنى عن الله - تعالى - بما عنده ، وَكَذَّبَ بموعود الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ؛ لما « 6 » بعده من الأعمال ، والله أعلم . والثاني : في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى ، أي : قبل الإعطاء ، وعزم على وفاء ذلك ، وَاتَّقى ، أي : عزم [ على ] اتقاء معاصي الله - تعالى - ومحارمه . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ، أي : بموعوده ؛ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ، أي : سنيسره لوفاء ما عزم [ عليه ] ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ، أي : عزم على البخل والمنع بذلك ، وَاسْتَغْنى بالذي له وعنده « 7 » ، وَكَذَّبَ بموعود الله تعالى فَسَنُيَسِّرُهُ لوفاء ما عزم [ عليه ] من الخلاف لله
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : من . ( 4 ) في ب : عصيان . ( 5 ) في ب : وييسر . ( 6 ) في ب : كما . ( 7 ) في ب : وعيده .