أبي منصور الماتريدي
55
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
على البلوغ ؛ لأنه لا نهاية لأكثر الطهر ، وأما الحيض فإنه له غاية معلومة ؛ لأن أيامها لا تخلو إما أن تكون عشرا أو دون العشر ، فإن كان عشرا فيعرف بالعد ، وإن كان دون العشر فإن دمها إذا انقطع راجعها قبل أن تغتسل ، وذلك وقت إشراف أجلها على البلوغ ، والأطهار ليس يتحقق فيها المعنى الذي وصفنا ، والله أعلم . ثم قال هاهنا : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ؛ فدل الأمر بالإمساك في الظاهر أنها ما دامت في العدة ، فهي على ملكه ، وقال في موضع آخر : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [ البقرة : 228 ] ؛ فدل على أنه قد وقع شيء من الزوال حتى أمره بردها ؛ فيكون حجة للشافعي في أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء ، ولكن المعنى « 1 » عندنا في هذا - والله أعلم - : أنا قد عرفنا بقوله : أَوْ فارِقُوهُنَّ بعد وجود الطلاق المتقدم : أنه لم يرد به الفرقة للحال ، ولكن معناه : اتركوهن حتى تنقضي عدتهن ، فتفارقوهن ؛ فثبت أنه قد وقع شيء من شبهة الفراق بالطلاق ، وهو أن صار الفراق مستحقّا لازما حال انقضاء العدة ؛ فيكون له عرض الوجود للحال ، فقال : فَأَمْسِكُوهُنَّ على إبقائهن على أصل الملك ، وقال : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [ البقرة : 228 ] في ذلك ؛ لرفع تلك الشبهة الواقعة بالطلاق ؛ وهذا على سبيل ما قال تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ * رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 226 ، 227 ] . وكان الفيء هو الرجوع ، ومعلوم أنه لم يقع بالإيلاء شيء من الفرقة ، ولكن لما كان الإيلاء موجبا للبينونة في العقد ، أوجب في الحال شبهة الفرقة ، وهو استحقاق الزوال ، فذكر الفيء ؛ لرفع تلك الشبهة ؛ وكان تركها منه لا يفيء إليها عزم منه على الطلاق ، فكذلك الأول والله أعلم . والمعروف إذا صنع إليك إنسان صنيعة ، فعرفتها واستحسنتها ، فهو معروف ، وما دفعته وأنكرته ، فليس بمعروف . أو هو الذي عرّفنا الله - تعالى - من المراجعة والمفارقة . ثم المعروف في الحقيقة ما تطمئن إليه القلوب وتسكن عنده الأنفس . وقوله - عزّ وجل - : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ . دل قوله - تعالى - : ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أن قد يكون منا فساق ، وأن الفسق لا يخرجه من الإيمان ، وكذلك قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [ البقرة : 282 ] فثبت أن قد يكون منا من لا يرضى ، وأن خروجه ممن يرضى لا يخرجه من الإيمان .
--> ( 1 ) في أ : المعتمد .