أبي منصور الماتريدي

56

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ . حيث أضافها إلى نفسه هو أنه لا بد في الشهادة من نفع يقع لأحد الخصمين ، وضرر يرجع إلى الآخر ، فكأنه « 1 » قال : لا ينظر بعضكم إلى رضا من تنفعه الشهادة وإلى سخط من تضره ، ولكن اجعلوها لله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . الموعظة وإن كانت لمن يؤمن ولمن لا يؤمن ، فالمعنى في هذا : ذلكم يتعظ بما يوعظ [ به ] « 2 » من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما كان المعنى « 3 » من قوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] أي : إنما ينتفع بالإنذار من يتبع الذكر ، وكما كان في قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ البقرة : 121 ] ، أي : ينتفعون بتلاوته فكذلك الأول ، والله أعلم . وقوله : يُوعَظُ بِهِ . أي : بما أمر فيما تقدم من الآيات من الطلاق للعدة ، والنهي عن إخراجهن من البيوت والإنفاق عليهن ، ونحوه إنما يوعظ به - أي : يأخذ بما أمر به ، ونهي عنه في هذه الآيات - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . قد بينا أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأوامر والنواهي ، وإذا ذكر معه البر والإحسان ، صرف التقوى إلى معنى ، والبر إلى معنى ، وذكر في هذا الموضع مفردا ؛ فجاز أن ينتظم الأوامر والنواهي ، ثم جاز أن يكون المعنى من قوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فيما بين له من الحدود ، فلم يضيعه ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً فيما لم يبين له ، وفيما اشتبه من الحد . أو يجوز أن يكون المعنى من قوله وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ، أي : يجاهد « 4 » فيما أمره ونهاه ، يجعل له مخرجا في أن يهديه ، ويبين له السبيل ؛ ألا ترى إلى قوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . قال : ويجوز أن ينال من يلزم التقوى خير الدنيا والآخرة ؛ لأن الله تعالى ذكر التقوى ، وما يليه بألفاظ مختلفة ، فقال في موضع : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وقال : في موضع آخر يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ، وفي موضع آخر يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وفي موضع آخر إِنَّ

--> ( 1 ) في أ : فكأنما . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : المعتمد . ( 4 ) في أ : الجاحد .