أبي منصور الماتريدي

529

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

سورة « لا أقسم بهذا البلد » بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 1 إلى 10 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( 2 ) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ( 6 ) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) قوله - عزّ وجل - : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ : اختلف في قوله : لا : قال بعضهم : لا هاهنا في موضع الدفع والرد لمنازعة كانت بين قوم ؛ فدفع الله - تعالى - المنازعة من بينهم بقوله : لا ، وكانت تلك المنازعة معروفة فيما بينهم ؛ فترك ذكرها لذلك ، كما ذكر الجواب في بعض السور ولم يذكر السؤال ؛ لما كان السؤال عندهم معروفا ؛ فترك ذكره ، وهو كقوله : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [ الزلزلة : 1 ] ، وغير ذلك . ومنهم من يقول بأن حرف لا مرة يستعمل في حق الصلة والتأكيد ، ومرة في موضع النفي ، [ و ] يظهر مراده بما يعقبه من الكلام : فإن كان الذي يعقبه إثباتا ، فهو بحق التأكيد ، وإن كان الذي يعقبه من الكلام نفيا فهو في موضع النفي . ثم الذي عقبه من الكلام إثبات ، وليس بنفي ؛ فدل أنه في موضع التأكيد ؛ فكأنه قال : لأقسم بهذا البلد ، ثم كان حقه أن يقول : « لأقسمن بهذا البلد » بإثبات النون ، كما يقال : « لأفعلن » ، في اليمين ، لكن نون التأكيد قد تذكر في موضع القسم ، وقد لا تذكر ، قال الله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [ النحل : 124 ] ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : بِهذَا الْبَلَدِ قالوا « 1 » : أريد بهذا البلد : مكة ، فأقسم بها بما عظم شأنها بما سبق ذكرنا له ، ولخاصة هي معظمة في أعين أهلها ، ثم كان من عادة الكفرة القسم بكل ما يعظمونه ؛ فعاملهم الله - تعالى - من الوجه الذي جرت به العادة فيما بينهم ؛ ليؤكد ما قصد إليه بالقسم ؛ [ فيزيل عنه ] « 2 » الشبه التي اعترضت لهم . وقوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ : قال بعضهم : وَأَنْتَ حِلٌّ : نازلها من الحلول .

--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 37224 ) ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 591 ) وهو قول مجاهد ، وعطاء ، وغيرهما . ( 2 ) في ب : ويزيل عنهم .