أبي منصور الماتريدي
530
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال بعضهم « 1 » : وأنت حلال بهذا البلد ، والحل والحلال لغتان . فإن كان على هذا فالحل غير منصرف إلى نفسه ؛ وإنما انصرف إلى ما أحل له ؛ لأنه لا يجوز أن يكون هو بنفسه حلالا أو حراما ؛ فالحل والحرمة إذا أضيفا إلى من له الحل والحرمة فإنما يراد بالحل والحرمة الشيء الذي أحل له ، والشيء الذي حرم عليه ، لا أن يكون الوصف راجعا إلى المضاف إليه ، فإذا قيل : هذا محرم ، أريد به أن الأشياء محرمة عليه ، وإذا قيل : هذا حلال ليس بمحرم أريد به أن الأشياء له حلال ، وإذا أضيفا إلى من لا يخاطب بالحل والحرمة ، أريد بهما عين ذلك الشيء كقوله : هذا لحم حلال أو صيد حلال ، وهذا لحم حرام ؛ فيريد أن ذلك اللحم حلال ، وذلك الصيد حرام أو حلال . ثم اختلفوا في الذي أحل له : فمنهم من صرفه إلى القتال ، فقال بأنه أحل له القتال فيها ، وذلك يوم فتح مكة . ومنهم من قال بأنه أحل له الدخول فيها إذا جاء من الآفاق بغير إحرام ، ولا يحل ذلك لغيره . وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة : « إن مكة حرام ، حرمها الله - تعالى - يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر ، ووضع هذين الجبلين ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، وهي ساعتي هذه ، هي حرام بحرام الله تعالى إلى يوم القيامة ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد « 2 » شوكها ولا ينفر صيدها ، ولا يرفع لقطتها ، إلا من نشدها » ، فقال العباس - رضي الله عنه - : إلا الإذخر يا رسول الله ؛ فإنه لا غنى لأهل مكة عنه للقبر والبنيان ؟ فقال - عليه السلام - : « إلا الإذخر » فبين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنها قد أحلت له ساعة من نهار . والحل يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما . وذكر أبو بكر الأصم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يؤذيه أهل مكة ؛ فيتأذى بهم ؛ فيخرج من بين أظهرهم ؛ فيحل له الصيد في ذلك الوقت . ولكن لا يسع صرف التأويل إلى هذا ؛ إذ لا يعرف مثل هذا إلا بالخبر والنقل . ثم في قول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم على لسان العباس - رضي الله عنه - : « إلا الإذخر » دلالة أن
--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 37231 ) ، وابن مردويه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 591 ) وهو قول مجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم . ( 2 ) في ب : يعقد .