أبي منصور الماتريدي
509
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بقوا « 1 » أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة . وجائز أن يكون نصبها وعملها في النار ، وهو أنها لم تعمل في الدنيا ؛ بل تكبرت « 2 » عن طاعة الله - تعالى - فأعملها وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال والسلاسل في النار الحامية . أو عملت في الدنيا بالمعاصي ونصبت في الآخرة ؛ فيكون فيه « 3 » تبيين العمل والجزاء . وقوله - عزّ وجل - : تَصْلى ناراً حامِيَةً ، أي : حارة ، قد أحماها الله - تعالى - من يوم خلقت إلى الوقت الذي يسقى منها . وقوله : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ قيل « 4 » : الآني : الذي قد انتهى في الحر غايته حتى لا حر أحر منه . وقوله - عزّ وجل - : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ، اختلف في الضريع : منهم من يقول : سمي : ضريعا ؛ لأنهم يتضرعون عنه ، ويجزعون « 5 » إذا طعموا . ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب لم يبينه الله - تعالى - للخلق . ومنهم من قال : الضريع : اسم لنبت قد عرفته العرب فيما بينهم تأكله « 6 » الإبل والدواب ما دام رطبا ؛ فإذا هاج ويبس تركت الدواب أكله ، وعافته لخبثه وكثرة ما عليه من الشوك ، ويسمونه : شبرقا في الربيع ، وإذا هاج وجف ، يسمونه ضريعا ، فذلك النبت في الدنيا يعمل في اسمان الدابة ويغنيها من الجوع ، فنفي الله - تعالى - وجه الإسمان والإغناء ، وحصل أمره على الخبث بقوله : لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ، وهو كقوله : فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [ الواقعة : 28 ، 29 ] ، فالسدر اسم شجرة ذات شوك في الدنيا ، فأنشئت في الآخرة بلا شوك ، ووصف خمر « 7 » الجنة فقال : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [ الواقعة : 19 ] ، والخمر في الدنيا تعمل في التصديع ، وهي تنزف « 8 » ؛ فنفى عنها هذه الآفات ، وجعلها شرابا سائغا لذة للشاربين ، فكذلك الضريع نفى به ما يقع به الإسمان والإغناء ، وحصل أمره على الخبث ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في ب : لقوا . ( 2 ) في ب : يكترث . ( 3 ) في ب : في . ( 4 ) قاله السدي أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 573 ) . ( 5 ) في ب : ويخرجون . ( 6 ) في ب : تأكلها . ( 7 ) في ب : أحمر . ( 8 ) في ب : تنصرف .