أبي منصور الماتريدي
510
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 8 إلى 16 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) و قوله - عزّ وجل - : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ . لِسَعْيِها راضِيَةٌ ، أي : ناعمة بما عاينت من عاقبة عملها الصالح في الدنيا ، ورضيت بما أوتيت جزاء عن سعيها في الدنيا ، جعل الله تعالى في وجوه الخلق يوم القيامة آثار صنائعهم في الدنيا : فمن أطاعه جعل علم طاعته في وجهه يوم القيامة ، ومن عصاه جعل أثره في وجهه يعرف به . وقوله - عزّ وجل - : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون قد علا قدرها ، وعظم شأنها ؛ فتكون عالِيَةٍ نعتا للجنة ، فوصفها بالعلو من هذا الوجه . والثاني : يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ما يحق أن يلقى من الشتم ومن كل ما يؤثم صاحبه ؛ بل هم كما وصفهم الله تعالى : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الحجر : 47 ] . ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضغن أضمره في صدره ، أو خصومة حدثت بينهما ، أو آفة تدخل في عقله بسكر أو « 1 » ما أشبهه ، والله - تعالى - نفى عن الشراب الآفات بقوله : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [ الواقعة : 19 ] ، ونزع الغل عن صدورهم ؛ فارتفعت دواعي السفه كلها ؛ فلا يسمع « 2 » فيها [ ما يحق ] « 3 » أن يلغى به . وقوله - عزّ وجل - : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ، أي : عيونها جارية تأخذها العين ، وتجرى على وجهها ، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجرى على وجه الأرض ، وبعضها تحتها ، نحو ماء القناة وماء البئر . وقوله - عزّ وجل - : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ، قال بعضهم « 4 » : مرفوعة بعضها فوق بعض ، ترتفع ما شاء الله ، فإذا جاء ولي الله - تعالى - ليجلس عليها ، تطامنت له ، فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء الله تعالى . وقال بعضهم : معنى مَرْفُوعَةٌ « 5 » هاهنا : أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها ، فوعدوا
--> ( 1 ) في أ : و . ( 2 ) في ب : مسمع . ( 3 ) في ب : بالحق . ( 4 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 37037 ) . ( 5 ) في ب : المرفوعة .