أبي منصور الماتريدي
473
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جواب لها ؛ فكان الظاهر من الكلام الأول على ما فهمته عائشة رضي الله عنه . ولكن وجه الجواب فيه : أن قوله - عليه السلام - : « من حوسب عذب » ، وقوله - عزّ وجل - : فَسَوْفَ يُحاسَبُ ليس على كل حساب ، وإنما هو على الحساب الذي لا يناقش فيه ، فأما الذي هو عرض فليس مما يعذب عليه ؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يفهم بالخطاب العام عموم المراد كما فهمته عائشة - رضي الله عنها - بل يجوز أن يكون الخطاب عاما ، والمراد منه خاصا . وقوله - عزّ وجل - : وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ، وقال في شأن الذي أوتي كتابه وراء ظهره وَيَصْلى سَعِيراً . إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ؛ فهذا لأن المسلم إنما تأهل على قصد تحصيل النفع لنفسه في العاقبة ، وتكون معينة له على أمور الآخرة ؛ فحصل له ذلك النفع بإحرازه السرور الدائم بذلك « 1 » ، والكافر تأهل للمنافع الحاضرة وسر بها سرورا ، وأنساه السرور أمر العاقبة ؛ فحق عليه العذاب ؛ لتركه السعي للآخرة ، لا لسروره بأهله ، وهو كقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ . . . الآية [ الإسراء : 18 ] ، والكل منا يريد العاجلة ولا بد له منها ، لكن الذي يصلى جهنم هو الذي ابتغى العاجلة ابتغاء أنساه ذلك عن الآخرة ، فكذلك المسرور بأهله إنما حلت به النقمة ؛ لما منعه السرور عن النظر للعاقبة ، لا لنفس السرور ؛ إذ كل متأهل لا يخلو عن السرور بأهله ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ، فالإيتاء من وراء الظهر يحتمل وجهين : أحدهما : أن استقذر منه ؛ لخبث منظره ؛ فأوتي من وراء ظهره ؛ مجازاة له بما سبق من صنعه ، وصنعه أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره ، وترك أوامره ونواهيه كذلك وراء ظهره ؛ فجوزي - أيضا - بدفع كتابه وراء ظهره ، ودفع إلى المؤمن كتابه بيمينه ؛ لما في كتابه من المحاسن والبركات ، واليمين أنشئت « 2 » ؛ لتستعمل في البركات وأنواع الخير ، وسميت - أيضا - باسم مشتق من اليمن والبركة ، والشمال جعلت لتستعمل في الأقذار والأنجاس ، فدفع كتابه من خبث عمله إليه بشماله أيضا أو من وراء ظهره . ولأن أهل الإيمان قبلوا أمر الله - تعالى - ونواهيه واستقبلوها بالتعظيم والتبجيل ، ومن أراد تعظيم الآخر في الشاهد وتبجيله ، أخذه بيمينه ، فجوزوا في الآخرة بالتعظيم لهم
--> ( 1 ) في ب : لذلك . ( 2 ) في ب : أنسب .