أبي منصور الماتريدي

471

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ فصلت : 11 ] ، وهما لا يوصفان بطوع ولا إكراه ، ولكن خلقتا على هيئة لو وجدت تلك الهيئة فيمن وصف بالطوع والإكراه ، كان ذلك منه طوعا . وقال إبراهيم - عليه السلام - : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [ إبراهيم : 36 ] ، وهي في الحقيقة لا تضل ، ولكنها أنشئت على هيئة لو كانت تملك الإضلال ، لعد ذلك منها إضلالا . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ قيل « 1 » : بسطت ، وسويت بكسر الشعاب والأودية بالجبال ، أو بما شاء ؛ فصارت : قاعاً صَفْصَفاً . لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 ، 107 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ، [ أي ] « 2 » : ألقت ما وضع فيها من الموتى والكنوز ؛ فتخلت عنها ؛ فنسب التخلي إليها ، وإن كان من فيها هو الذي خلا عنها ، وكانت هي الحابسة ؛ لأنه إذا خلا عنها خلت هي عنه . وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ الكادح : هو الساعي ، وهو الذي اعتاد ذلك ، وهذا في كل الإنسان ، تراه أبدا ساعيا إما في عمل الخير أو عمل الشر ، أو فيما ينفعه أو فيما يضره ، حتى لو هم بترك السعي لم يقدر ؛ لأن تركه السعي نوع من السعي . وروي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال حين تلا هذه الآية : « أنا ذلك الإنسان » فهذا ليس [ أنه ] « 3 » هو المخصوص بالخطاب ؛ لأنه بين الإنسان ، فقال : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ، ولا يجوز أن يكون هو المراد بهذا كله ، فكل أحد على الإشارة إليه مراد بقوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ، فلذلك قال [ النبي ] « 4 » - عليه السلام - : « أنا ذلك الإنسان » . وقوله - عزّ وجل - : إِلى رَبِّكَ كَدْحاً جائز أن يكون معناه : أن اجعل كدحك إلى ربك في أن تسعى في طاعته وطلب مرضاته ؛ فإنك ملاقيه لا محالة ؛ أي : تلاقي جزاء عملك : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وجائز أن تكون الملاقاة كناية عن البعث ؛ إذ البعث قد يكنى عنه بلقاء الرب ، قال الله - تعالى - : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ [ الكهف : 110 ] وسمي ذلك اليوم : يوم المصير

--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 12 / 505 ) . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب .