أبي منصور الماتريدي

463

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وكذلك « 1 » الحكم في الخوف والرجاء إذا ذكر كل واحد من الحرفين مفردا ، اقتضى كل واحد منهما معنى الآخر ، وإذا ذكرا معا ، أريد بكل واحد منهما ما يقتضيه ظاهره ، ولم يصرف إلى ما يراد بالآخر . وقوله - عزّ وجل - : لَفِي نَعِيمٍ : جائز أن يكون هذا في الآخرة ، يصفهم أنهم أبدا في نعيم . وجائز أن يكونوا في نعيم في الدنيا والآخرة معا ؛ فيكونون في الدنيا في نعيم العقول دون نعيم الأبدان ، وذلك أنهم يطيعون العقل فيما يدعوهم إليه ؛ فيتنعمون بعقولهم ، ولكن الذي تدعوهم إليه عقولهم ما تأبى أنفسهم الإجابة له ، ويشتد عليها ذلك ، فهم في نعيم العقول لا في نعيم الأبدان ، ونعيم الآخرة نعيم البدن والعقل جميعا ، فتتنعم أنفسهم وعقولهم ، ولا يحملون ما تأبى أنفسهم احتماله ، قال الله - تعالى - : وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [ النحل : 41 ] ، وقال - تعالى - : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . . . الآية [ النحل : 97 ] ؛ فثبت أنهم في الدنيا وفي الآخرة لفي نعيم . وقوله - تعالى - : عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ قد ذكرنا أن كل ما تتوق إليها الأنفس وتشتهى في الدنيا فعلى مثله جرت البشارة لأهل الجنة في الدنيا . وذكر أن أهل اليمن كان إذا شرف قدر أحدهم وعلت رتبته في الدنيا ، اتخذ لنفسه أريكة نسبت « 2 » إليه ؛ فيقال : هذه أريكة فلان ، فجرت البشارة لأهلها بالأرائك ؛ لما يرغب إلى مثلها في الدنيا ، لا أن أرائكها شبيهة بالأرائك التي [ تتخذ ] « 3 » في الدنيا ؛ لأن أرائك الجنة مطهرة من الآفات التي هي آثار الفناء ، لكنها ذكرت بهذا الاسم ؛ لما لا وجه للوصول إلى تعريفها بغير اسمها المعتاد فيما بين الخلق . والأريكة : هي السرير في الحجال . وقوله - عزّ وجل - : يَنْظُرُونَ يحتمل وجهين « 4 » : أحدهما : أن يقع النظر في الحجل ، وذلك عند تلاقي الإخوان واجتماعهم على الشراب . والنظر الثاني يكون إلى مملكته ؛ فيكون ذلك خارجا من الحجال ؛ على ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم [ أنه قال ] « 5 » : « إن الرجل من أهل الجنة ليرى جميع ما له بنظرة واحدة ، وأقل ما

--> ( 1 ) زاد في ب : هذا . ( 2 ) في ب : نسب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : أن يكون . ( 5 ) سقط في ب .