أبي منصور الماتريدي

464

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يعطى الرجل مثل سعة الدنيا وعرضها » فذلك النظر يجاوز عما في الحجال ؛ فيقع خارجا منها . وقوله - عزّ وجل - : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ، أي : تعرف لو نظرت في وجوههم نضرة النعيم ، فجائز أن تكون النضرة منصرفة إلى نفس الخلقة ، وهو أنهم أنشئوا على خلقة لا تتغير ، ولا تفنى ، بل بهجة نضرة . أو تكون نضارتهم بما أنعموا من النعيم . ثم خصت الوجوه ؛ لأن النظر من بعض إلى بعض يكون إلى الوجوه ، لا إلى غيرها من الأعضاء ؛ فخصت الوجوه بالذكر لهذا ، لا أن تكون النضرة لها خاصة ؛ بل النضرة تشتمل سائر البدن . والثاني : أن السرور إذا اشتد في القلب أثر في الوجوه ، وكذلك الحزن يؤثر في الوجه إذا اعترى في القلب ؛ فيكون في ذكره « 1 » نضرة الوجه إخبار عن غاية ما هم عليه من السرور . وقوله : يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ قال بعضهم « 2 » : الرحيق : هو الخمر الذي لا غش فيه ، وهو أن يكون مطهرا من الآفات . وقال بعضهم : هو شيء أعده الله - تعالى - لأوليائه ، لم يطلعهم على ما يتهيأ في الدنيا على ما قال : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] ، فهو شراب تقر به أعينهم مما أخفي لهم إلى الوقت الذي يشربونه . وقوله - عزّ وجل - : مَخْتُومٍ . خِتامُهُ مِسْكٌ جائز أن يكون راجعا إلى حال الإناء الذي فيه الرحيق ، وهو أنه مختوم لم تتناوله الأيدي ، وكذلك ترى المرء في الدنيا يختم نفيس شرابه الذي في الإناء بالفدام في الدنيا ، فيخبر أن ذلك الشراب في الإناء على الوجه الذي كانوا يؤثرونه في الدنيا ، وأخبر أن ختامه بأنفس شيء عرفوه في الدنيا ، وهو المسك ، ليس كالختام في الدنيا ؛ لأنهم يختمون أوانيهم في الدنيا بالشيء الرذل ، وبما لا قدر « 3 » له عندهم . وجائز أن يكون منصرفا إلى الشاربين : أنهم لا يشربون أبدا ، بل يكون له ختم ولكن لا تنقطع لذة الشراب عنهم ؛ بل أبدا يجدون من ذلك ريح المسك .

--> ( 1 ) في ب : ذكر . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 36668 ، 36669 ) وهو قول مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد . ( 3 ) في أ : قدرة .