أبي منصور الماتريدي
455
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال أبو بكر الأصم : أَ لا يَظُنُّ ، معناه : ألا يشك أولئك في البعث ، وهو محتمل لما ذكرنا ؛ لأن الشك يوجب الرهبة ، وارتفاعه يوجب الأمن ؛ ألا ترى أن المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان ، فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن يسلك سراقا وقطاع الطريق ، فإنه يترهب لذلك ؛ فيستعد له بما « 1 » يدفع عن نفسه ضرر قطاع الطريق وضرر السراق ، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته ، ولا يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار به ، فكيف لا يشك هؤلاء بكون البعث بما يخبرهم النبي - عليه السلام - ويقيم عليه الحجج ، وهذا أقل منازل الأخبار أن تورث شكا . ثم الأصل أن حرف الشك يستعمل عند استواء طرفي الداعيين ، والظن يستعمل عند اختلاف طرفي الداعيين ، وهو أن تغلب « 2 » إحدى الدلالتين على الأخرى ؛ لذلك يستقيم الحكم والقول بأكثر الظن ، ولا يستقيم بأكثر الشك . ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه ، وإذا تدبر فيه ، فهو لا يزال يرتقي في الظن درجة فدرجة ؛ حتى ينتهي نهايته بلوغ اليقين « 3 » ودرك الصواب ؛ فلذلك حمل أهل التفسير تأويل الظن هاهنا على اليقين والعلم ؛ إذ « 4 » ذلك نهاية الظن . وحمله أبو بكر على الشك ؛ لما لا ترتفع الشبهة كلها فيما كان طريق معرفته « 5 » الاجتهاد . ومثال الظن منا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم ؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته صار علما ؛ كالذي يهدد بالقتل ، أو بقطع عضو ؛ ليشرب الخمر [ أنه يباح ] « 6 » له الشرب ، ويجعل كالمتيقن أنه يفعل به لا محالة لو امتنع عن الشرب ؛ لبلوغ الخوف نهايته وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا ؛ لما يجوز أن يحصل به ما يمنعه عن القتل ؛ فعلى ذلك الحكم في الظن . وقوله - عزّ وجل - : أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ للحساب الذي يحصل عليهم ؛ فلا يجدون منه مخرجا ؛ فيتخلصون من العذاب ، ليس على ما يحصل عليه الحساب في الدنيا يجد لنفسه الخلاص ووجه المخرج عنه .
--> ( 1 ) في ب : ما . ( 2 ) زاد في ب : إحدى . ( 3 ) في ب : النفس . ( 4 ) في ب : إن . ( 5 ) في ب : معرفة . ( 6 ) في ب : أيباح .