أبي منصور الماتريدي

451

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ . وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ، قال بعضهم « 1 » : تأويله منصرف إلى أهل النار وأهل الجنة ؛ فأهل الجنة لا يغيبون عن الجنة ، ولا أهل النار عن النار . وقال بعضهم : أريد بها أهل النار خاصة : أنهم لا يغيبون عنها . وأنكر بعض الناس الخلود لأهل النار في النار ، ولأهل الجنة في الجنة ، وقالوا : لو لم يكن لنعيم الجنة انقضاء ، ولا لعذاب الآخرة انتهاء ، لكان يرتفع عن الله - تعالى - الوصف بأنه أول وآخر ؛ لأنهما يبقيان أبدا ؛ فلا يكون هو آخر ، وقد قال : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [ الحديد : 3 ] ؛ فلا بد من أن يكون لهما انتهاء حتى يستقيم الوصف بأنه آخر . ولأنهما لو لم يوصفا بالانتهاء لكان علم الله - تعالى - غير محيط بنهايتهما ، فتكون النهاية مجاوزة لعلمه ، والله - سبحانه وتعالى - محيط بالأشياء وعالم بمبادئها ومناهيها ؛ فلا بد من القول بفنائهما حتى يكون علمه محيطا بهما . ولأنهم إنما استوجبوا الجزاء بأعمالهم ، وأهل النار استوجبوا العقاب بسيئاتهم ، فإذا كانت لسيئاتهم نهاية ، ولخيرات أولئك نهاية ، فكذلك يجب أن يكون للجزاء نهاية أيضا . والأصل عندنا : أن كل من اعتقد مذهبا فهو يعتقد التدين « 2 » به أبدا ما بقي ، لا يتركه « 3 » . ثم العقاب جعل جزاء للكفر ، والثواب جعل جزاء للاتقاء عن المهالك بقوله : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ آل عمران : 131 ] ، وقال : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] ، فإذا ثبت أن كل واحد منهما جزاء للمذهب ، وكان الاعتقاد للأبد ؛ فكذلك جزاؤه يقع للأبد والدوام ، لا للزوال والانقطاع . والثاني : أن العلم بزوال النعيم مما ينغص النعمة على أربابها ، ويمرر عليهم لذاتها ، ويكدر عليهم ما صفا منها ، فإذا كان كذلك لم يتم لهم النعيم ، وأهل النار إذا تذكروا الخلاص من العذاب ، تلذذوا بها ، وهان عليهم العذاب ؛ فوجب القول بالخلود ؛ ليتم النعيم على أهله والعذاب على أهله . والجواب عن قوله : إنه يرتفع عنه الوصف ؛ لأنه أخبر : أن الله - تعالى - استوجب الوصف بأنه أول وآخر بذاته لا بغيره ، وغيره يصير أولا وآخرا بغيره ، ثم ما من شيء إلا وله أول وآخر ، ثم لا يوجب ذلك إسقاط الأولية والآخرية عنه . وقوله بأن بالله - عزّ وجل - لا يوصف بالإحاطة بالأشياء لو وجب القول بالخلود ، فنقول بأن العلم بما لا نهاية له هو أن يعلمه غير متناه ، والعلم بالتناهي بما لا نهاية له

--> ( 1 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 12 / 481 ) . ( 2 ) في ب : التبيين . ( 3 ) في ب : ليتركه .