أبي منصور الماتريدي
419
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عنه عمدا لذلك ، لكن لما قطع عليه حديثه ، وكان فيه قطع رجاء إسلام أولئك القوم ، شق ذلك عليه ، واعتراه « 1 » من ذلك هم شديد ، أثر ذلك في وجهه ، لا أن كان منه ذلك على القصد . [ ووجه آخر ] « 2 » أن يقال : إن الله - تعالى - جعل في قلبه صلّى اللّه عليه وسلم من الشفقة والرحمة على العالمين حتى بلغ من شفقته « 3 » أن كادت نفسه تذهب على من أعرض عن دين الله - تعالى - والإيمان به حسرات عليه ، وحتى قيل له : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] ، وقال : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [ النحل : 127 ] ، وقال : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] . وتأويله : ألا تحزن بمكانهم كل هذا الحزن ؛ فيكون فيه تخفيف الأمر عليه ، لا أن يكون فيه نهي عن الحزن وعن الحسرة ؛ ولذلك قال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [ التحريم : 1 ] ، ومعناه - والله أعلم - : ألا تحمل نفسك كل هذا التحميل حتى تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك الانتفاع به ؛ طلبا لمرضاتهن ، لا أن ينهاه عن ابتغاء مرضاتهن ؛ بل قد ندب إلى ابتغاء مرضاتهن بقوله : ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ الآية [ الأحزاب : 51 ] ، فجائز أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم اشتد عليه إعراض أولئك القوم عن الإيمان ، وكبر ذلك عليه حتى تغير لون وجهه ؛ فظهرت عبوسة وجهه ؛ فنزل قوله - تعالى - : عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى يبين شدة ما اعتراه من الهم حتى أثر ذلك في وجهه ، لا أن يكون فيه مذمة ومنقصة له . ثم في هذه الآية فوائد أخر : إحداها : جواز العمل بالاجتهاد ؛ لأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فعل هذا النوع من العمل اجتهادا ، لا نصا ؛ إذ لو كان الإذن بالتولي والتعبس سائغا ، لم يكن يعاتب بفعل قد أمر به . فإن قيل : كيف لا تدل المعاتبة على النهي [ عن إقدامه على ] « 4 » مثله ؛ فيحرم عليه الاجتهاد ؟ قيل له : لو كان هذا نهيا ، لم يكن يعود إلى العمل بالاجتهاد بعد ذلك ، وقد وجد منه - عليه السلام - العود ؛ لقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] ، وبقوله :
--> ( 1 ) في ب : فاعتراه . ( 2 ) في ب : وجه أخرى . ( 3 ) في ب : شفقة . ( 4 ) في أ : على إقدامه .