أبي منصور الماتريدي

420

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [ التحريم : 1 ] ، فثبت أنه ليس فيه نهي . وفيه أن الكافر وإن كان مبجلا معظما في قومه ، فليس على المؤمنين أن يعظموه ويبجلوه ، بل يسترذل ويستخف به ، وأن المسلم ينبغي أن يعظم ويكرم ، وإن كان حقيرا في أعين الخلق . وفيه آية رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ودلالة نبوته ، وأنه لم يختلق هذا الكتاب من عند نفسه ؛ لأن من يتعاطى « 1 » فعلا حقه الستر ، فهو يستره على نفسه ، ولا يهتك عليها الستر ؛ لئلا يذم عليه ، فلو لم يكن مأمورا بتبليغ الرسالة لكان يجتهد في الستر على نفسه ، ولا يبديه للخلائق ، ولكنه كان رسولا لم يجد من تبليغه إلى الخلق بدّا ، فبلغه كما أمر . وقوله - عزّ وجل - : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، « لعل » من الله - تعالى - واجب . وقوله : يَزَّكَّى ، أي : يتزكى « 2 » بعمله ونيته وقوله . وفي هذه الآية قضاء بإبطال قول من زعم أن جميع ما في القرآن : وَما يُدْرِيكَ فهو مما لم يدره ؛ يروى ذلك عن سفيان بن عيينة - رضي الله عنه - وغيره ؛ لأنه قد أدراه هاهنا بقوله : لَعَلَّهُ يَزَّكَّى و « لعل » من الله تعالى واجب ، وإذا جعلته واجبا فقد زكاه ، وإذا زكاه فقد علمه النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله - عزّ وجل - : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون يتذكر بتذكيرك إياه ؛ فينتفع بتذكيرك . والثاني : أن يتذكر فيما ذكرته من العواقب وما يحق « 3 » عليه في حاله ؛ فينتفع به ؛ فتكون المنفعة في التأويل الأول بالتذكر « 4 » بنفس تذكير الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي التأويل الثاني بتذكره فيما ذكره النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله - عزّ وجل - : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ، أي : بما اختار هو عما جئت به من الدين . أو استغنى بالذي زين له « 5 » الشيطان عما جئت به . أو يكون على الغناء المعروف ؛ لأن الذين أقبل عليهم بوجهه كانوا أهل ثروة وغناء ، فأقبل عليهم ؛ رجاء أن يسلموا فيتبعهم أتباعهم في الإسلام ؛ إذ كانوا من رؤسائهم وأجلتهم .

--> ( 1 ) في ب : تعاطى . ( 2 ) في ب : تزكى . ( 3 ) في أ : وما نحن . ( 4 ) في ب : بالتذكير . ( 5 ) في ب : به .