أبي منصور الماتريدي

418

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وصلاح الدين والدنيا ، فهو محمود عند ذوي الأحلام والنهى . ولأن إقباله على القوم إذ كان ؛ لمكان دعائهم إلى الإسلام ، وقد أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإسلام ، وإن كان في دعائهم إتلاف أنفسنا وأموالنا ، فلأن يسوغ الدعاء من وجه ليس فيه إلا تعبيس الوجه على واحد من المسلمين - أولى ، ولكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجد منه هذا النوع من الإيثار ؛ اجتهادا ورأيا ، والأنبياء - عليهم السلام - قد جاءهم العتاب من الله - تعالى - بتعاطيهم أمورا لم يسبق من الله - تعالى - لهم الإذن في ذلك ، وإن كان الذي تعاطوه من الأمور أمورا محمودة في تدبير الخلق ؛ نحو ما عوتب يونس - عليه السلام - وعوقب بمفارقة قومه بغير إذن ، وإن كان مثل تلك المفارقة لو وجدت « 1 » من واحد من أهل الأرض ، استوجب بها الحمد ، وحسن الثناء ؛ لأن تلك المفارقة لا تخلو من أحد « 2 » أمور ثلاثة : أحدها : أن قومه كانوا أهل كفر ، وكانوا له أعداء في الدين ، ففارقهم ؛ لينجو منهم ، ويسلم له دينه ، ومثل « 3 » هذا لو وجد من غير الأنبياء - عليهم السلام - عد ذلك من أفضل شمائله . والثاني : أن في مفارقته من بين أظهرهم تخويفا لهم وتهويلا ؛ لأن القوم [ من قبل ] « 4 » كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا وقتما يريد أن ينزل بهم العذاب ؛ فكان في مفارقته إياهم تخويفهم وتهويلهم ، فيدعوهم ذلك إلى الانقلاع عما هم عليه من الضلال ، والفزع إلى الله - تعالى - ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى وردعه عن الضلال ، فقد أبلغ في النصيحة ، واستقام على الطريقة . والثالث : أنه يفارقهم ؛ ليستنصر بغيرهم [ فينصرونه عليهم ] « 5 » ، ويتقوى بهم ؛ ليكون على دعائهم إلى الإسلام أمكن وأقدر ، ومن كانت مفارقته من قومه على هذه النية ، فلنعم المفارق هو ، ثم عوتب مع هذا كله ، وذكر الله - تعالى - في الكتاب قصته للوجه الذي ذكرنا ؛ فكذلك الوجه في معاتبة نبينا محمد [ عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات ] « 6 » . ومنهم من ذكر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يقصد إلى تعبس الوجه على ابن أم مكتوم ، ولا تولى

--> ( 1 ) في ب : وجد . ( 2 ) في أ : إحدى . ( 3 ) في ب : وقيل . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : فينصرونهم عليه . ( 6 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : صلى الله عليه وسلم .